Adonis Diaries

The director of communication ministry: More powerful than the law and the government?

Posted on: August 5, 2016

The director of communication ministry: Abdel Mon3em Youssof

More powerful than the government?

All the successive ministers of communication since 2005 were unable to touch him: They filed court orders, but the justice system is controlled by politics.

He  served 9 months of prison term in 1999 and was re-integrated in his position in 2005. He is currently serving as director in 3 public institutions, contrary to the law.

عبد المنعم يوسف: المدير الأقوى من القانون

August 2016

جويل بطرس


رسم رائد شرف

عيّن عبد المنعم يوسف رئيساً للمديريّة العامّة للإستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات في العام 1995. كان وزير الإتصالات حينها الفضل شلق قد عيّنه أولاً كمستشارٍ في الوزارة. بعد شغور المنصب، اقترح تعيينه رئيساً للمديرية على رئيس الحكومة آنذاك رفيق الحريريّ. ولكن، سرعان ما انقلب يوسف المقرّب من شلق عليه، فحرص على بناء شبكة اتصالاتٍ خاصّة به داخل المديرية من جهة، ومع الحريري من جهةٍ أخرى. نقل شلق في مذكراته أن علاقته لم تتغيّر مع الموظفين داخل الوزارة باستثناء يوسف. فهذا الأخير “كان يمتنع عن تنفيذ ما هو مطلوب منه، بما في ذلك القرارات التي تتخذ في الإجتماعات الدوريّة التي كان يوافق عليها. وكان دؤوباً على الكذب، وتقديم المعلومات غير الصحيحة. فكأنه كان يخفي شيئاً”. أعلَم شلق الحريري بذلك، لاسيما بعدما اكتشافه أن يوسف قد وسّع علاقاته خارج الوزارة بهدف إتمام صفقات “لا تتعلق بحسن سير العمل”. فـ”نصحني دولة الرئيس باستيعابه، فأجبته بأنه يصعب عليّ استيعابه، إذا كان هو نفسه يستقبله من وراء ظهري[1]“.

تمكّن يوسف من نسج علاقة متينة جداً بآل الحريري والرئيس فؤاد السنيورة، سمحت بحمايته من الملاحقة القضائية على مدى سنوات، وتثبيته في منصبه رغم مخالفته القانون.
دخل يوسف السجن لمدة 9 أشهر عام 1999 بتهم الفساد في وزارة الاتصالات، وبرّئ من جميع التهم الموجّهة اليه في العام 2004. عاد إلى منصبه عام 2005، وعيّن كذلك رئيساً لمجلس الإدارة ومديراً عاماً بالوكالة لـ”أوجيرو”، وما زال يشغر المناصب الثلاثة بطريقةٍ غير قانونيةٍ حتى اليوم.
صعد نجم يوسف مجدداً عام 2009 مع تعيين جبران باسيل من “التيار الوطني الحر” وزيراً للاتصالات. فتحت هذه الفترة باباً جديداً من المواجهات بين “التيار” المعارض للحكم من داخل الحكومة، ويوسف. واستمرت حتى العام 2014 مع وصول الوزير بطرس حرب إلى الوزارة. فهذا الأخير، المحسوب على 14 آذار، أيّ الخط السياسي الذي ينتمي اليه يوسف، تمكّن من إرساء علاقة تفاهمٍ وشراكةٍ مع المدير العام. هدأت الأوضاع مع يوسف إلى أن قرّر “الحزب التقدمي الاشتراكي” اللجوء إلى القضاء والإدعاء على يوسف لأسبابٍ قيل إنها سياسية.
نحاول في هذا المقال إستعادة مسيرة عبد المنعم يوسف في وزارة الاتصالات وهيئة “أوجيرو”. فنتطرق بشكلٍ أساسيّ إلى الملاحقات القضائية التي تعرّض لها، والتحرّك القضائيّ حيالها، محاولين تبيان موقف القضاء تجاه واحدةٍ من أبرز قضايا الفساد التي عرفتها الدولة اللبنانية.

عبد المنعم يوسف في السجن
مع وصول العماد إميل لحّود إلى رئاسة الجمهورية والرئيس سليم الحص إلى الحكومة في العام 1998، تم تبشير اللبنانيين بإطلاق حملة إصلاحٍ كبيرة للإدارة العامة. أطلق الحص عجلة الإصلاح في العام 1999 فحاولت حكومته إقصاء المدراء المتهمين بالفساد وإستغلال النفوذ. لجأت الحكومة إلى القضاء بعدما حضّر الوزراء المعنيون ملفات تطال المشتبه بهم. وفي هذا السياق، ادّعى وزير الإتصالات عصام نعمان على مدير عام الوزارة عبد المنعم يوسف بتهمة الفساد وهدر المال العام. تمّ توقيف يوسف في أثناء محاولته مغادرة لبنان من مرفأ طرابلسبعدما كان قد مُنع من السفرفي أيلول 1999. “اعترف بأنه كان ينوي الهروب لأنه يعيش حالاً من الضغوط النفسيّة من كثرة التحقيقات معه، وخصوصاً بعدما صدر مرسوم إحالته على الهيئة التأديبية وتوقيفه عن العمل[2]“، ليصار إلى محاكمته بعدها في سلسلة قضايا ظهرت واحدةً تلو الأخرى.

بعد 9 أشهر ويومين، أطلق سراح يوسف من سجن رومية في 18 حزيران 2000. واستمرت محاكمته في 7 ملفات قضائية تتعلق بإهدار اموال عامّة، وتقرّرت تخليته من الملفات الموقوف فيها بكفالة 80 مليون ليرة جرى سدادها. حينها، اعتبر وكيل يوسف المحامي منيف حمدان أن “قضية موكّله تشبه قضية النقيب ألفرد درايفوس في فرنسا مع فارقٍ وحيد أن القضاء الفرنسيّ بقي أكثر من 12 عاماً حتى تمكّن من إعلان براءة درايفوس في حين أن القضاء في لبنان استطاع في أقل من شهر أن يعلن براءة يوسف في قضية هربه، وفي أقل من 4 أشهر أن يعلن براءته في قضية سنترال طرابلس، وفي أقل من 7 أشهر في قضية المحروقات، كما استطاع أن يحوّل كلّ الجنايات التي لوحق بها الموكل جنحاً، ولم يبق في حقه إلا 3 دعاوى”، آملاً أن تعلن براءته منها[3].

بعد خمسة أعوام من الملاحقات القضائية والتأديبية، نال يوسف آخر حكم بالبراءة في كانون الأول 2004. آخر الأحكام صدر عن محكمة الإستئناف في بيروت برئاسة القاضي سمير عالية، قضى بوقف التعقبات بحقّ يوسف في ملف هدر الأموال العامة عبر إبرام عقد مع شركة “تليغلوب” الكندية لتأمين خدمة الترانزيت للتخابر الدوليّ. وذكر الحكم النهائيّ أن محكمة البداية أـصدرت حكمها بكفّ التعقبات عن يوسف ورفيقه “بعدما ثبت بشكلٍ قاطع لا يقبل أيّ شك أن المدّعى عليهما لم يهدرا المال العام في إبرام الإتفاق، بل على العكس، كان الاتفاق مع “تيليغلوب” الأفضل ماديّاً وفنيّاً مع مردودٍ إيجابيّ على خزينة الدولة[4]“.
تمّت تبرئة يوسف بعدما لم يعثر على أيّ دليلٍ لإدانته في 12 ملفاً جزائياً أمام القضاء، و5 ملفات أمام هيئة التفتيش المركزيّ، و4 ملفات أمام ديوان المحاسبة، وملف واحد أمام الهيئة العليا للتأديب.

وبدأت لائحة الإتهامات تصدر في سياق قضية محاولة هرب يوسف. أما أبرز الملفات الجزائية الأخرى التي برئ منها يوسف فهي:

  • هدر المال العام في قسائم محروقات والتعاقد في توريد المحروقات لوزارة الاتصالات. وقد مُنعت المحاكمة عن يوسف بعدما ثبت أن التواقيع الموجودة على القسائم لا تعود إليه.
  • قضية توزيع خطوط دوليّة على الخاصّين به والتي لم تثبت صحّتها.
  • قضية تركيب سنترال داخل سنترال طرابلس للإتجار بالمخابرات الهاتفية الدولية بطريقة غير مشروعة.
  • قضية إستئجار سيارات لاستعمالاته الخاصة من شركة “هلا كار”.[5]

خرج يوسف من السجن، وانتظر تبرئته في جميع الملفات التي فُتحت ضده، ليعود بعدها إلى “أوجيرو”.

يوسف مديراً عاماً من جديد
عاد يوسف إلى “أوجيرو” في العام 2005 كمديرٍ عام للإستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات. وعيّن أيضاً رئيساً لهيئة “أوجيرو”، ومديرها العام بالوكالة ولسنةٍ واحدة تنتهي في 28 تشرين الأول 2006. حصل يوسف على تمديد لسنةٍ إضافيّة (2007)، وهو منذ ذلك الحين يشغل المنصبين (رئيس هيئة أوجيرو ومديرها العام) من دون أيّ مرسومٍ أو قرارٍ بالتمديد صادر عن مجلس الوزراء.
وكانت النيابة العامة لدى ديوان المحاسبة في 20 آب 2008 قد بيّنت “وجود مخالفات جسيمة تؤدي إلى إبطال كلّ القرارات الرامية إلى الجمع بين الوظائف الثلاث التي يتولاها يوسف، باعتبار أن الأحكام القانونية والمبادئ العامة والإجتهادات المنظمة لأعمال المؤسسات العامة والوصاية الإدارية لحظت قاعدة الفصل بين الوصاية الإدارية ووظائف المؤسسات العامة الموصى عليها[6]“. وبالتالي، وبحكم توليه الوظائف الثلاث، أصبح يوسف وصيّاً على نفسه، يراقب أداءه الوظيفيّ. كما أنه بذلك يخالف المادة 16 من قانون الموظفين التي لا تجيز للموظف تقاضي راتبه إلا إذا كان معيّناً وفق القانون وتمنعه تقاضي راتبين، فيما يوسف يتقاضى حتى اليوم ثلاثة رواتب.
إلى يوسف، يضمّ مجلس إدارة “أوجيرو” كلّاً من غسان ضاهر وآلان باسيل، المقرّب جداً من يوسف. وإذ يفرض القانون إنعقاد المجلس مرّة كلّ أسبوعين أو عندما تدعو الحاجة، فإن آخر إجتماعٍ لمجلس الإدارة عقد في 11 تشرين الثاني 2015[7]. ويستطيع يوسف التحكّم بمصير الموظفين من خلال التصويت داخل مجلس الإدارة والحصول تلقائياً على أكثرية الأصوات (صوته وصوت باسيل مقابل صوت ضاهر). وفي “أوجيرو”، تخضع 10 أقسام مباشرةً لسلطة يوسف، وهي: أمانة السر، الإعلام، العلاقات العامة، الشؤون القانونية، التفتيش والمتابعة، الأمن والسلامة، التخطيط وإدارة المعلومات والشبكات، بالإضافة إلى مواقع رئيس مركز التحكّم، رئيس جهاز التدقيق الداخليّ، رئيس جهاز تنظيم الإتصالات.

وعادت الشكاوى والإحتجاجات على إدارته لقطاع الإتصالات بعد تولي وزراء “التيار الوطني الحرّ” جبران باسيل، شربل نحاس، ونقولا صحناوي، تباعاً مسؤولية وزارة الإتصالات. إذ كان “التيار الوطني الحر” طوال تلك الفترة ينادي بإصلاح الإدارة والمرافق العامّة في مواجهة إعتراضات ومحاربة شديدة من قوى 14 آذار، على رأسها “تيار المستقبل” برئاسة سعد الدين الحريري. قدّم وزراؤه بين 2009 و2013 أكثر من 52 شكوى ودعوى وملاحقة وتنبيهٍ بحقّ عبد المنعم يوسف، بينها 7 مراجعات أمام مجلس شورى الدولة، و7 دعاوى أمام القضاء الجزائي، و21 أمام التفتيش المركزيّ، بما فيها الشكوى أمام المفتشيّة المالية لدى التفتيش المركزي[8]. لم يتحرّك القضاء للبتّ في أيّ من تلك الدعاوى والشكاوى، وبقيت جميعها عالقة في أدراج النيابة العامّة أو التفتيش.
بدأت مخالفات يوسف بالخروج مجدداً إلى العلن خلال عهد باسيل. إذ ادّعى هذا الأخير على يوسف أمام القضاء الجزائيّ وفقاً لقانون العقوبات، ولاسيما المادة 371 التي تنصّ على معاقبة “كلّ موظفٍ يستعمل سلطته أو نفوذه استعمالاً مباشراً أو غير مباشر، ليعوق أو يؤخر تطبيق القوانين أو الأنظمة أو تنفيذ أيّ أمرٍ صادر عن السلطة ذات الصلاحية”؛ والمادة 373 التي تنصّ على المعاقبة “إذا ارتكب الموظف في الإدارات أو المؤسسات العامة دون سبب مشروع إهمالاً في القيام بوظيفته أو لم ينفذ الأوامر القانونية الصادرة إليه عن رئيسه[9]“.

قدّم النائب في “كتلة التنمية والتحرير” ناصر نصرالله إخباراً لدى مدّعي عام التمييز سعيد ميرزا في العام 2010 ضد يوسف لارتكابه “مخالفات تهدر المال العام”. ومن هذه المخالفات، “أن يخصص يوسف لنفسه 1150 دولاراً أميركياً عن كلّ يوم سفر من المال العام؛ وأن يتقاضى منذ 2006 راتبين من الدولة وقد بلغ راتبه كرئيس – مدير عام أوجيرو 130 مليون ليرة، من دون قرارٍ من مجلس الإدارة[10]“. إلا أن مدعي عام التمييز لم يحرّك ساكناً للتحقيق في الإخبار.
وقد شهدت الفترة التي تولى خلالها الوزير شربل نحاس مهام الوزارة المواجهات الأقوى مع يوسف. إذ وصلت حدّ تدخّل “فرع المعلومات” إلى جانب يوسف لمنع نحّاس من دخول الطبقة الثانية مبنى وزارة الإتصالات في العدليّة في بيروت.
ادّعى حينها نحّاس على يوسف “بجرم الإشتراك في التعدّي على مبنى وزارة الاتصالات في العدلية” في أيار 2011. ونشير هنا إلى ثلاث دعاوى تقدمت بها الدولة بحقّ يوسف: اتهمت الدعوى الأولى يوسف “بجرم إختلاق أخبار كاذبة وملفقة وبثّها بهدف إثارة النعرات وبث روح التفرقة وخلق جو من التوتر والشحن داخل الوظيفة العامة”، على خلفية قيام يوسف عليه بنشر شائعات، بتاريخ 18 كانون الثاني 2011، بواسطة إرسال بيانات والإدلاء بتصريحات توحي بأنه تعرّض للإعتداء وبأنه محاصر في مكتبه في وزارة الاتصالات. الدعوى الثانية إتهمته بجرم “الاعتداء على أمن الدولة ومكانتها المالية والاقتصادية”، على خلفية الحملة الإعلامية المركزة التي أطلقها يوسف منذ 17 آذار 2011، والتي هدفت إلى التهديد بتوقّف الإتصالات بشكلٍ كاملٍ عن لبنان. أما الدعوى الثالثة فاتهمت يوسف بجرم “إساءة استعمال السلطة، والاخلال بواجبات الوظيفة، وتأخير تطبيق القرارات والأنظمة، وعرقلة عمل الإدارة ومصالح الدولة والمواطنين، وعدم تنفيذ امر صادر عن السلطة القانونية، وإلحاق الضرر بالأموال العمومية[11]“.

من جهته، اتهم صحناوي يوسف بتكبيد الهيئة مصاريف إضافية ضخمة لزيارة عائلته في باريس بشكلٍ دوريّ. كما اتهمه بتخصيص بدلات ساعاتٍ إضافية للموظفين لتمتين سلطته في الوزارة وكسب دعم هؤلاء في وجه الوزير. كما اعتبره صحناوي مسؤولاً بشكلٍ أساسيّ عن تردّي سرعة الإنترنت، بعدما منع الشركات المتعهدة من وصل كابلات الألياف الضوئية على سنترالات “أوجيرو” لبدء العمل بها. وشملت الدعاوى الأخرى “التمرّد والتصرّف بممتلكات الدولة وإساءة الأمانة وانتحال صفة تجارية وتزوير مستندات رسمية والتقاعس ومخالفة القرارات وصرف النفوذ والترويج الانتخابي وتحريض الموظفين والمستخدمين[12]“.
بقي جميع هذه الدعاوى عالقاً أمام القضاء الذي لم يحرّك معظمها، ما سمح ليوسف بالاستمرار بالوظيفة غير القانونية وبمراكمة المخالفات التي أدّت الى تفجير أزمة جديدة مع بداية العام 2016.

“الإشتراكي” يلجأ إلى القضاء
عرفت وزارة الإتصالات فترةً من الهدوء مع وصول وزير الإتصالات بطرس حرب. إذ تمكّن هذا الأخير من تأسيس علاقة ودّ مع يوسف، حتى اعتبره العديد أحد أبرز حاميه.. إلى أن قرر “الحزب التقدميّ الإشتراكيّ” التحرّك ضد يوسف، لأسبابٍ اعتبرها البعض سياسيّة وناتجة عن خلافاتٍ داخلفريق14 آذار. من جهته، برّر “الإشتراكي” تحرّكه بأن وضعه في سياق الحملة التي يقودها لمكافحة الفساد في إدارات الدولة، بالتزامن مع حملة وزير الصحة وائل أبو فاعور لحماية سلامة الغذاء.
ومن هذا المنطلق، استدعى النائب العام المالي القاضي علي إبراهيم عبد المنعم يوسف لبدء التحقيق معه في الإخبار المقدّم ضده من “الحزب التقدمي الإشتراكي” في كانون الأول 2015. شكّل تقديم الإخبار الخطوة الثانية في هجوم “الإشتراكيّ” على يوسف. فالخطوة الأولى بدأت بتغريدةٍ للنائب وليد جنبلاط على صفحته على “تويتر” في أيلول 2015 جاء فيها: “أكبر وزير لا يستطيع أن ينقذ تطوير القطاع (الاتصالات) من دون موافقته”. وتابع: “من هي الجهات السياسية التي تغطي هذا المدير؟ وهل يجوز أن تكون هناك مناطق لبنانية لا تزال محرومة خدمات الإنترنت؟ ولماذا لا يستفاد من خطوط الألياف الضوئية؟ وهل يجوز أن تكون كلفة الإنترنت باهظة إلى هذا الحدّ؟”.
تبع تغريدة جنبلاط هجومٌ نفّذه أبو فاعور وكشف فيه أن يوسف “يمنع المفتشين الماليين من استجوابه والإطلاع على حسابات أوجيرو طيلة السنوات الثلاث الماضية”. استدعى تصريح أبو فاعور نفياً سريعاً من يوسف. وسرعان ما دخل المفتش العام الماليّ صلاح الدنف على خطّ السجال، فأصدر بياناً باسم “المفتشية العامة المالية” يؤكد ما قاله أبو فاعور. كشف الدنف أن “يوسف يرفض إستقبال المفتشين منذ أكثر من سنة، ويرفض تسليم الملفات المالية التي يطلبها المفتشون[13]“. اللافت أن “الوكالة الوطنية للإعلام” سحبت البيان بعد ساعاتٍ على نشره. ردّ يوسف مؤكداً أن هيئة “أوجيرو” قد “وضعت منذ عشر سنوات مكتباً خاصاً لديها بتصرف هيئة التفتيش المركزي، يعمل على نحو جاد. وتقوم الهيئة بتنفيذ وتطبيق كلّ بنود ومندرجات البرنامج السنوي لهيئة التفتيش المركزي لدى هيئة أوجيرو الذي يحدد عمل المفتشين ويوافق عليه رئيس هيئة التفتيش المركزي”. وحرص يوسف على أن يقول أن هيئة “أوجيرو” تحتل المرتبة الأولى بدرجة إمتياز بين كلّ المؤسسات والإدارات والهيئات الرسمية العامة، بحسب تقارير التفتيش المركزيّ.

لم ينته السجال عند هذا الحدّ. فقد أصدرت المفتشية العامة المالية بياناً أوضحت فيه أنه مضى على آخر إجتماعٍ عقدته لجنة تقييم أداء موظفي الفئة الأولى أكثر من ثلاث سنوات. وأكّدت أن يوسف يمنع أيّ موظفٍ من إعطاء معلومات لهيئة التفتيش “كما تنص المادة 11 من قانون هيئة أوجيرو والمادة 19 من المرسوم الإشتراعي رقم 115/59 إنشاء التفتيش المركزي، التي توجب على أيّة مؤسسةٍ عامةٍ أو إدارةٍ عامةٍ أن تضع بتصرّف المفتشين أيّ مستندٍ مطلوبٍ من دون رجوع الموظف إلى رئيسه التسلسليّ”. وأوضحت أن “قول يوسف أن ادارته على تواصل مع التفتيش الإداري والهندسي هو في غير محله القانونيّ، لأن هيئة أوجيرو لا تخضع إلا لرقابة التفتيش المالي”. وختمت بأن يوسف قال للمفتشين حرفياً بأنه مستعد للإستقالة كي لا يقدّم المستندات المتعلقة بالتعويضات المالية الخاصة بها[14]“.
بقي السجال عالقاً بين يوسف و”الحزب الإشتراكيّ” في الإعلام إلى حين قرّر هذا الأخير اللجوء إلى القضاء لمحاسبة يوسف. فقدمت “منظمة الشباب التقدميّ” ومفوضية العدل في “الحزب التقدمي الإشتراكي” إخبارين ضد عبد المنعم يوسف، رئيس ومدير عام هيئة “أوجيرو” والمدير العام للاستثمار والصيانة في وزارة الاتصالات. الأول، تناول “هدر وإختلاس أموال عامة في هيئة أوجيرو” وقدم في 14 كانون الأول 2015، فيما تناول الثاني “جرم الإحتيال وإساءة الأمانة وهدر واختلاس الاموال العامة وإساءة الاموال السلطة والاخلال بواجبات الوظيفة”، وقدم في 7 كانون الثاني 2016.

أشار الإخبار الأول إلى أن يوسف “يمارس صلاحيات مدير عام ورئيس مجلس إدارة أوجيرو، على الرغم من إنتهاء ولايته منذ العام 2007، وهو يشغل في الوقت نفسه منصب المدير العام للإستثمار والصيانة في وزارة الإتصالات”. وقد استغل يوسف هذا الإزدواج في المواقع الوظيفيّة “لكي يوقّع عقوداً ويبرم صفقاتٍ لنفسه بين شركاتٍ يديرها ومؤسسات يتولى رئاستها والتي تخالف القانون”. ويستند الإخبار إلى محاضر التفتيش المركزيّ ليثبت أن يوسف جدّد العقد مع “أوجيرو” على الرغم من قرار هيئة التفتيش الرافض لهذا الأمر. وقد سهّل هذا التجديد الهدر والإستفادة المالية، فلم يتمَ تشكيل الإدارة وتجديدها، وأبقي على حالته المشوبة والمعيبة من دون أيّ تعديل، ما فوّت على الخزينة أموالاً طائلةً. وأورد الإخبار أمثلة عن قيام يوسف بـ”توظيف أبناء وأقرباء لكبار الموظفين. كما يحرم موظفين من حقوق ثابتة ومكتسبة لهم ويجدد التعاقد مع موظفين أحيلوا إلى التقاعد ويصرف حوافز ومكافآت لعدد من الموظفين وفقاً لولائهم له[15]“. كما أشار الإخبار إلى عدم الإلتزام بقرار التفتيش المركزيّ الداعي إلى تحديث الشبكات، وعدم الموافقة على طلب شركتي الخلوي وضع شبكة الألياف الضوئية في الخدمة، وإبرامه عقوداً بين وزارة الاتصالات و”أوجيرو” يقوم بنفسه بالتوقيع عليها نيابةً عن الطرفين بوصفه ممثلاً لهما معاً، والتحكم الكامل بالموظفين والتوظيف، والحصول على مبالغ طائلة بدل سفر سنوياً من دون إبراز أيّ مستندٍ يفسّر كيفية الصرف، إلى جانب تقاضيه راتبين، وعدم وجود رقابة على نظام الفوترة والتخابر الدولي، وعدم تمكين المشتركين من الحصول على فواتير مفصلة.
كما أشار إلى أن يوسف قادر على التنصّت والتعدّي على حريّة أيّ مواطن عبر جهاز ipoqueادّعى الحاجة إليه من أجل منع الاتصال عبر.voice over ip  كما سأل عن “كيفية صرف 2000 مليار ليرة خلال عشر سنوات، في الوقت الذي تزداد فيه الشبكة ترهلاً[16]“.

جاء الاخبار الثاني أكثر تفصيلاً وتوثيقاً، وتطرّق إلى عدّة مخالفاتٍ إضافيةٍ ارتكبها يوسف في أثناء توليه الوظيفة: “استلام يوسف وعن طريق المناورات الإحتياليّة مبالغ مالية من وزارة الاتصالات بعد ايهامها بتوجب تلك المبالغ في ذمتها كمستحقات على هيئة أوجيرو لمصلحة وزارة المالية تسديداً للـ TVA، وبإساءة الأمانة المتمثلة بعدم دفع تلك المبالغ لوزارة المالية من دون اعادتها لصالح وزارة الاتصالات”. كما ذكر الإخبار أن يوسف استوفى “رسوم ضمان من وزارة الاتصالات أكثر مما يجب تسديده للصندوق الوطني الاجتماعي”. واحتفظت “أوجيرو” ممثلةً بيوسف “بأموال جرى استلامها لتحويلها الى الخزينة العامة والتأخر في التحويل مسبباً ضرراً على المال العام”. كما امتنع يوسف عن تنفيذ “قرار الوزير بتنفيذ أوامر اشغال وتعريف العلب الهاتفية، ما فوت على الخزينة أموالاً طائلة”. ورفض تطبيق “قرارات وضع مجموعات رقمية جديدة في الخدمة، ما فوّت على الخزينة أموالاً طائلة وألحق ضرراً بالمصلحة العامة”. ومنع إصدار “بطاقات “تلكارت” و”كلام” في السوق اللبناني من دون أيّ سبب مقبول”. وامتنع عن “تنفيذ قرارات تأجير الشركات خطوط اتصال رقمية دولية (E1)، وعن إحالة هذه الطلبات للوزير للتقرير بشأنها، ما فوَت على الخزينة أموال طائلة[17]“.

القضاء يقرّر التحرّك… تحت الضغط
شكّل كشف ملف الإنترنت غير الشرعيّ و”الغوغل كاش” الشرارة التي دفعت القضاء إلى التحرك (لن تتطرق هذه المقالة إلى هذا الموضوع الذي ما يزال قيد التحقيق، كون معظم المعلومات المتوفرة والمعلنة عنه لا تزال غير دقيقة أو وافية). فالإخباران المقدّمان من “الإشتراكي” وجدا سبيلاً لدى النيابة العامة المالية، بعدما حازت قضية الإنترنت على إهتمام الرأي العام وعلى تغطيةٍ إعلامية واسعة. وشهدت القضية تبدّلاً جذرياً بعدما اتهمت وسائل إعلاميّة بالضلوع بتهريب الإنترنت، ما دفع هذه الأخيرة الى إطلاق حملة دفاعٍ واسعة عن نفسها، رافقها هجوم موثّق على مدير عام “أوجيرو”.

بموازاة الضغط الإعلاميّ، تحرّكت لجنة الإعلام والإتصالات النيابيّة، وقرّرت فتح تحقيق في قضية تهريب الإنترنت أيضاً. أوقف عددٌ من المشتبه بهم، وتبيّن أنّ من بينهم أشخاص على إرتباطٍ وثيقٍ بيوسف، منهم توفيق حيسو وروبير صعب. عندها، تمّ استدعاء يوسف للمثول أمام قاضي التحقيق في بيروت فادي العنيسي، بعدما ادعى النائب العام المالي على يوسف “بالاهمال الوظيفي الذي أدى الى هدر المال العام وذلك بانشاء منظومة اتصالات خلافاً للأصول القانونية”.إلا أن يوسف، وكما جرت العادة، لم يحضر. تذرّع مرةً أخرى بوضعه الصحيّ الذي أرغمه على البقاء في فرنسا، حيث كان يقضي عطلته مع العائلة. برّر وزير الإتصالات بطرس حرب تغيب يوسف باضطراره على إجراء جراحة في القلب تستدعي أن يبقى في النقاهة مدة أسبوعين. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن حرب شكّل صمام الأمان في الدفاع عن يوسف. فاعتبر في مقابلة ضمن برنامج “كلام الناس” أن “دفاعي عن يوسف هو دفاعي عن الإدارة والعدالة” مشدداً على انه لن يحمي أيّ متهم “لكنني لن اسمح بإدانة شخصٍ بريء، إذ لا يمكن أن نستبق التحقيق[18]“. كما أشار الوزير السابق شربل نحاس في مقابلة تلفزيونية إلى أن حرب “طلب من التفتيش المركزي وقف الشكاوى ضد يوسف في مخالفة صريحة للقوانين”، مشدداً على أنه “لا يحق للتفتيش أن يلبي طلبه[19]“.

لكن حرب أدرك أنه لن يتمكن من الإستمرار في حماية يوسف أمام الضغط السياسيّ والإعلاميّ. فما كان أمامه إلا إعطاء الإذن في 12 أيار 2016 بملاحقة يوسف ومدير المعلوماتية في “أوجيرو” توفيق شبارو، ومسؤول قسم الإنترنت غابي سميرة في قضية الإنترنت غير الشرعي و”الغوغل كاش” بناءً على طلب المدعي العام التمييزيّ القاضي سمير حمود. وشدد حرب في كتاب إعطاء الاذن بالملاحقة بأنه لم يقتنع في ضوء التحقيقات التي أجريت حتى الآن بأن المطلوب الاذن بملاحقتهم قد خالفوا القوانين أو أهملوا في أدائهم الوظيفي ما أدّى الى هدر المال العام. “فالبرغم من كل ذلك، وبغية وضع حد للمحاكمات الإعلامية والاتهامات غير المبررة بالإثباتات الجدية، ومع عدم اقتناعي بجدية وصحة ما ينسب الى المطلوب الأذن بملاحقتهم، فأنني أعطي الاذن بملاحقة من تطلبون الاذن بحقه[20]“.
حضر يوسف أمام قاضي التحقيق في بيروت فادي العنيسي فور عودته من إجازته المرضية في 8 حزيران 2016. ومثل للمرة الثانية في 13 تموز أمام العنيسي الذي أرجأ إلى 29 ايلول المقبل متابعة التحقيق في تهمة هدر المال العام في ملف الإنترنت غير الشرعي، بعدما استمهل وكلاء الدفاع عن يوسف وشبارو وسميره للإطلاع على قرار الهيئة الاتهامية المصادقة على قرار القاضي العنيسي برد الدفوع الشكلية.

في الواقع، لم توّجه تهمٌ بالفساد وهدر المال العام ومخالفة القوانين لمديرٍ عام كتلك التي وجهت لعبد المنعم يوسف. اللافت أنه نجح بالحصول على البراءة في جميع القضايا التي رفعت ضده، حيث أنه حصل على “120 براءة قضائية”، حسب بيان لـ”كتلة المستقبل” النيابية. في المرة الأولى مثلاً، أيّ في العام 1999، وضعت الملاحقات في إطار “تصفية رجالات الرئيس رفيق الحريري من الإدارة العامة”. ولم يتحرّك القضاء لملاحقة يوسف إلا عندما اتخذ القرار السياسيّ برفع الغطاء عنه. أفرج عن يوسف ونال البراءة بعدما فشلت حملة الإصلاح في عهد لحود وعاد الرئيس الحريري إلى الحكم. وعادت مخالفات يوسف إلى الواجهة مع وزراء “التيار الوطني الحر” المعارضين لنهج الحريري. حاول هؤلاء اللجوء إلى القضاء مراراً لمقاضاة يوسف، لكن القضاء أبقى على الملفات في الجوارير. هذه المرة، لم يكن الضغط السياسي كافياً ليرفع الغطاء عن يوسف مجدداً. والقضاء لم يتحرّك فعلياً اليوم إلا بعدما استحوذت قضية الإنترنت غير الشرعيّ على إهتمام الرأي العام والكتل المتناحرة داخل الحكومة. فبدا وكأنّ موافقة “تيار المستقبل” على ملاحقة يوسف أتاحت استدعاء القضاء له للتحقيق معه. القضية اليوم ما زالت في بداياتها، ولا يمكن التكهّن بمصير التحقيقات ونتائجها. لكن القضاء في الواجهة مجدداً. الطابة في ملعبه. هل يتصرّف بها، أو يعيدها إلى نقطة الإنطلاق؟

يمكنكم/ن أيضاً قراءة: أبرز الملفات التي برّئ منها عبد المنعم يوسف

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

adonis49

adonis49

adonis49

Blog Stats

  • 1,027,678 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.adonisbouh@gmail.com

Join 502 other followers

%d bloggers like this: