Adonis Diaries

Archive for September 4th, 2016

How to be grateful for what you have?
Rida Mawla posted this link. August 16 at 11:40am ·

This is a personal experience that I would like to share with as many people as possible.

Today, as I was getting out of the US embassy, extatic for having gotten a new tourist Visa, I see a US passport on the ground, and a gentleman standing right by it.

He didn’t seem to have noticed it, as he was preocupied with a huge pile of papers in his hands, with a slight grin and signs of distress on his face.

So I rushed to pick it up and deliver it to the embassy guard, who apparently had received a report about it missing earlier in the morning.

I come back and smile at that gentleman, telling him how unjust sometimes life is…

Some of us stand in line for endless hours, with their endless piles of papers, waiting for that glimmer, that chance to leave on a vacation, for education, or for business… while some people are lucky to have that priviledge and take it for granted.

He smiles back at me, quite silent in his demeanor…

He hesitantly asks: “are you headed back to Beirut by any chance?”. I say yes; so he kindly asks me if I can give him a ride. At that point, I noticed his undistinguishable Aleppan accent.

Smooth, yet firm in his words. And so we went…

On the way back I couldn’t hold myself from asking him about his hometown, his family, his friends, the war, the rebels, the regime. I felt a bit embarassed for asking so many question, but the kindness and humbleness he displayed were out of this world.

Mahmoud had escaped Aleppo, which in and of itself is a miracle, a couple of days ago.

He is a med student who is yet to complete his residency.

The war in Syria shattered that dream for the moment. His younger borther is a pharmacist who managed to go to Germany on assylum. His youngest brother is a civil engineer. He is stuck in Aleppo with his brother and parents, and was hoping to get that chance to go to the US, all the while knowing that he will have to leave his family behind.

He got accepted into a language program in the US, but his visa was rejected. The consulate official told him that while he is qualified, there is no guarantee that he wouldn’t stay in the US.

I drove him to the bus station, where he was to catch a bus to Damascus, and wait for the right moment to sneak back into Aleppo.

The absurdity of this encounter was beyond anything I have ever experienced…

Here I was, complaining about a silly passport, while this brave man was risking his entire life and leaving his entire family in the most brutalized city on earth today with the hopes of getting an opportunity to work and give to the world.

And when he did not get that chance, he simply hitchhiked his way back to the place he escaped to be with his family.

You try to rationalize things as much as you can, but there is a point where you just can’t do it anymore.

Really, why? Honestly, why? I don’t think I will ever get an answer to this most agonizing question. And what’s worse is that there is absolutely nothing I can do to change any part of this absurd reality.

So I decided to share this experience, with the frustrating realization that this is really the only thing I can do for Mahmoud at this moment…

And I got an answer for another question: be grateful for what you have. Be grateful.


Shifting political climate, political culture: Supporting your existential enemy?

In 1983, Lebanon sat with  the Israeli to sign a document for a peace agreement: It eventually failed

مناخ ١٧ أيّار ١٩٨٣: عندما جاهر لبنان بصداقته مع العدوّ الإسرائيلي

في ذكرى كسر شوكة العدوّ في مواجهة عدوان تمّوز، تعود الذكرى إلى جانب آخر من الثقافة السياسيّة في لبنان (هيثم الموسوي)
أسعد أبو خليل

عالم السياسة الأميركي هاري اكشتاين، كتب في موضوع الثقافة السياسيّة وعلاقتها بالتغيير السياسي (راجع مقالة اكشتاين وهربرت ورلن، «الثقافة السياسيّة والتغيير السياسي»، «مجلة العلوم السياسيّة الأميركيّة»، آذار ١٩٩٠)، وآمن برسوخ القيم التي يتلقّاها المرء في السنوات الأولى (معتمداً في نظريّته على مفهوم لفرويد بات غير موثوق به علميّاً).

إنّ التلقين السياسي الأوّلي ليس ثابتاً وما كتبه اكشتاين عن مرونة التغيير في المجتمعات المتقدّمة لم يعد معتمداً إذ إنّ تغييرات هائلة حدثت في الثقافة السياسيّة في أفريقيا وأميركا اللاتينيّة وفي الشرق الأوسط. إنّ نظرة خاطفة على العالم العربي، وعلى الهويّة السياسيّة في مصر أو على مفهوم الوطن وحدوده في لبنان أو على استطلاعات الرأي للشعب الفلسطيني يكشف مدى سرعة التغيير في غضون عقود معدودة، والثقافة السياسيّة الفرنسيّة تحت الاحتلال النازي كانت غير ما أصبحت عليه بعد هزيمة الألمان.
في ذكرى كسر شوكة العدوّ في مواجهة عدوان تمّوز، تعود الذكرى إلى جانب آخر (لم يتوقّف أو ينتهِ) من الثقافة السياسيّة في لبنان. هذا الجانب من تاريخ لبنان المعاصر واكب صعود الحركة الصهيونيّة ورافق إنشاء الكيان الغاصب. لم يكن التحالف بين البعض في لبنان مع العدوّ الإسرائيلي سرّاً من الأسرار: إميل إدّة الذي تحالف مع العدوّ وناصره كان المنافس الأكبر في ثنائيّة الزعامة المارونيّة في لبنان لعقود ما قبل الاستقلال. والمطران اغناطيوس مبارك لم يكن هامشيّاً في الكنيسة، كما ان توقيع المعاهدة السريّة بين البطريركيّة المارونيّة والحركة الصهيونيّة في عام ١٩٤٦ تم باسم أكبر كنيسة في لبنان (والمشرق). حتى ميشال شيحا التقى بمسؤولين إسرائيليّين في باريس في عام ١٩٤٩، ونفى في اللقاء ان يكون معادياً لإسرائيل أو للساميّة (تولّد الانطباع عنه في لقاءات سابقة مع إسرائيليّين). وعبّر شيحا عن أمله في أن تصبح إسرائيل وريثة فرنسا في حماية لبنان (راجع مقالة إيال زسر، «الموارنة ولبنان ودولة إسرائيل: الاتصالات المبكرة»، مجلة «ميدل إيسرتن ستديز»، مجلّد ٣١، عدد ٣، أكتوبر ١٩٩٥).
كي تفهم (أو تفهمي) ظروف تمرير اتفاقيّة ١٧ أيّار عليك أن تفهم سياق الحرب الأهليّة في السنة التي سبقت الاجتياح الإسرائيلي في عام ١٩٨٢. الاجتياح تحضّر قبل أكثر من سنة من حدوثه. الثقافة السياسيّة السائدة في لبنان كان تعمل على إيقاع العدوّ الإسرائيلي: بيروت الغربيّة كانت تشهد حملة قويّة من وكلاء آل سعود في لبنان ضد الحركة الوطنيّة اللبنانيّة والمقاومة الفلسطينيّة، فيما كانت القيادات الشيعيّة التقليديّة وحركة «أمل» (ومحمد مهدي شمس الدين وعبد الأمير قبلان) يشنّون حملة جائرة ومُغرضة ضد ما أسموه بسعي منظمّة التحرير لـ«التوطين في لبنان». كما ان زعران الأحياء، مثل أبو عريضة في صيدا، كانوا (بإيعاز من المخابرات الاسرائيليّة أو مخابرات جوني عبده —لا فرق) يفتعلون الاشتباكات والنزاعات والحرائق. كان هناك تمهيد مُخطّط للترحيب بالاجتياح. وحجم الدعاية العدوّ في جنوب لبنان كان هائلاً، وكان دور «صوت لبنان» (والإعلام الكتائبي كان يعمل بإشراف إسرائيلي كما كشف التحقيق مع توفيق الهندي) لا يُستهان به.
كان الجميّل، عالماً بقرار إسرائيل باجتياح لبنان وعوّل عليه كي يصل إلى الرئاسة. وكان الياس سركيس قد سلّم معظم السلطة المتبقيّة للدولة إلى بشير الجميّل بحلول ١٩٨٠. وكان وليد جنبلاط يتحضّر للمرحلة عبر مفاوضات سريّة مع القوّات اللبنانيّة، وكان يذمّ الفلسطينيّين فيها، كما روى بولس نعمان. وأصبح تلفزيون لبنان آنذاك مطواعاً لبشير بعد أن وضع شارل رزق (هل لا يزال موعوداً بالرئاسة من قبل آل الحريري؟) في صندوق سيّارة وأفهمه أنه الآمر والناهي. واستدعى الجميّل الراحل عرفات حجازي ليبشّر الشعب اللبناني بـ«القرار» —الذي لم يفصح عنه- وأرسل عبره شتائم نابية وبذيئة إلى رئيس الحكومة آنذاك، شفيق الوزّان (كما أخبرني حجازي).

وما إن أطلّ الاجتياح المشؤوم وما إن تسلّمت ميلشيات اليمين المتحالفة مع العدوّ الإسرائيلي السلطة، حتى تغيّر الكثير من معالم الثقافة السياسيّة في لبنان. وياسر عرفات عرف كيف يحفظ معنويّات مقاتليه وكيف يحفّزهم أثناء حصار بيروت، فيما أعلن وليد جنبلاط أن الحركة الوطنيّة لم تعد موجودة بمجرّد أن وصلت الكتائب إلى السلطة، لا بل إن جنبلاط طمأن من يريد الاطمئنان أن «لا تفكير في أي شكل من أشكال التحالف في الوقت الحاضر» كإطار بديل عن الحركة الوطنيّة («النهار»، ٦ تشرين الثاني، ١٩٨٢). إن دور التعبئة من قبل القادة —حتى لو كانوا من طينة جنبلاط— يلعب دوراً محورياً في حفظ المعنويّات وفي تثبيط الهمم: حدث فراغ في المناطق التي كانت تخضع لنفوذ المقاومة الفلسطينيّة واللبنانيّة، وانقسمت حركة أمل بين القيادة في بيروت (والتي كانت معادية للاحتلال الإسرائيلي) وبين بعض مسؤوليها المحليين في الجنوب الذين لم ينتفضوا بوجه الاحتلال. وحلّ الحركة الوطنيّة ترك كل مقاتلي ومناضلي الأحزاب عرضة للتنكيل من العدوّ الإسرائيلي وأعوانه في السلطة اللبنانيّة، خصوصاً في الجيش اللبناني. أما جورج حاوي فنادى بنزع السلاح الفلسطيني كي لا «يُوفّر ذريعة لتبرير الاحتلال الإسرائيلي» («النهار»، ١٨ تشرين الثاني، ١٩٨٢)، فيما طالب محسن إبراهيم بالتريّث قبل الحكم على سلطة أمين الجميّل.
وتسابقت قيادات سياسيّة ولبنانيّة لدعم الاجتياح الإسرائيلي بطرق شتّى. أبو اياد اتهم صائب سلام بمحاولة «تجيير العدوان الصهيوني» («النهار»، ٨ تمّوز، ١٩٨٢). وخرج أعوان إسرائيل في لبنان من جحورهم للهتاف للمحتلّ، ونُظِّمت مسيرات شعبيّة» (بحسب جريدة «النهار» في ٧ أيلول، ١٩٨٢) في المناطق الشرقيّة والبقاع الغربي وعاليه والشوف وجبيل لتنظيم «لقاء شكر وفرح لمناسبة بدء ترحيل الفلسطينيّين عن لبنان»، وألقى النائب (عن كتلة كامل الأسعد)، حميد دكروب كلمة «ترحيبية»، كما الشيخ فريد حمادة وسليم زرازير وطوني مفرّج (الإعلامي) وليلى سعادة وجوزيف توتنجي (صهر بشير) وخليل أسطة والشيخ غسّان اللقيس (مفتي جبيل) وغيث خوري. ومحمد مهدي شمس الدين انتقد زيارات قادة المقاومة الفلسطينيّة إلى البقاع والشمال («النهار»، ١١ أيلول، ١٩٨٢)، بدلاً من دعم فكرة مقاومة الاحتلال (وهو أفتى فيما بعد بجواز «المقاومة المدنيّة» —أي وسيلة قرع الطناجر الاحتجاجيّة، على طريقة النضال الديبلوماسي الذي انتهجه فؤاد السنيورة في تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر). وبلغ الجنون حدّه في تلك الحقبة ان كميل شمعون وضع برنامجاً لحل مشكلة الشرق الأوسط ضمّنه الحفاظ على نسبة عدد السكّان من عرب وإسرائيليّين إلى معادلة الثلث إلى ثلثيْن، كي يتسنّى للصهاينة الحفاظ على الدولة اليهوديّة («صوت الأحرار»، ١ آب، ١٩٨٢).
وعمل النظام السعودي، من خلال صائب سلام، على الترويج لبشير الجميّل ومشروعه بين المسلمين (لكن المناطق ذات الأغلبيّة السنيّة كانت بصورة عامة أقلّ استعداداً للتقبّل من المناطق ذات الأغلبية الشيعيّة، حيث راجت فيها مفاهيم العنصريّة الكتائبيّة المقيتة ضد الفلسطينيّين، وسارت تظاهرة في صور أثناء حرب المخيّمات بقيادة داوود داوود هتفت فيها الحشود: «لا إله إلّا الله، والفلسطيني عدوّ الله» (راجع «النهار»، ٢٩ أيّار، ١٩٨٥). صحيح أن وفداً من البسطة زار بكفيا للتعزية ببشير الجميّل، لكن قائد الوفد فاروق شهاب الدين، اختطف من منزله فيما بعد وقُتل. وكانت عليا الصلح من الأصوات القليلة المُجاهرة بدعم بشير الجميّل ومشروعه بين السنّة وقالت: «إن الآمال التي عقدتُها على الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميّل باقية مع الرئيس الشيخ أمين الجميّل» («العمل»، ١٧ أيّار، ١٩٨٣). وشذّ فاروق المقدّم، قائد ميليشيا ٢٤ تشرين عن الإجماع ضد بشير الجميّل في طرابلس وزار قبر الأخير بعد اغتياله ودعم حكم أمين الجميّل (فاجأ فاروق المقدّم الكثيرين بعد اجتياح ١٩٨٢ عندما تحوّل رافع شعارات اليسار الفلسطيني المتطرّف في ١٩٦٩ إلى مؤيّد لحزب الكتائب اللبنانيّة، وتعرّض منزله لاعتداء مما دفعه إلى الانتقال إلى المنطقة الشرقيّة في بيروت التي أوت مسلمين اعتنقوا أفكار الميلشيات اليمينيّة).
وأطلّ بشير الجميّل من خلال مجلّة «النهار العربي والدولي» في حلقتيْن (٩ و١٥ آب) للحديث عن مشروعه —أو مشروع راعيه الإسرائيلي. وفي هذه المقابلة حيث تجمّع كل كتاب المجلّة للترحيب بالجميّل، اعترض الشاعر طلال حيدر على قول «نحن المسيحيّين» في خطاب الجميّل واقترح بدلاً منها «نحن اللبنانيّين» لأن القوّات اللبنانيّة تضم مقاتلين شيعة، حسب زعم حيدر. أما نهاد المشنوق فقال لبشير: «أنا كمواطن لبناني يهمّني الاقتناع بثورتك، بأفكارك، وأن أسير معك لأساعدك، لأنك لا تستطيع ان تكون وحدك» — وقال المشنوق كلامه فيما كانت القوّات اللبنانيّة تحكم الحصار على بيروت الغربيّة وتمنع عن سكّانه ربطات الخبز، فيما كانت راجمات العدوّ تدكّ البيوت السكنيّة بالقنابل والصواريخ على مدار الساعة.
وكامل الأسعد الذي زعم في آخر سنواته أنه لم يصوّت لاتفاقيّة ١٧ أيّار، وقّع على قانون الاتفاق وأرسله إلى القصر الجمهوري (راجع «النهار»، ٢٣ حزيران، ١٩٨٣). والشيخ عبد الأمير قبلان كان من الأصوات الداعمة لحكم أمين الجميّل، حينما كان المفتي حسن خالد ينتقد تعديّات الجيش اللبناني على الآمنين في بيروت الغربيّة. قال قبلان إن أمين الجميّل «غير متجه باتجاه سيّئ»، وأضاف «أنا أحببتُ الفلسطينيّين يوم كانوا ثائرين من أجل حقّهم، وأصبحتُ ضدّهم عندما أقاموا دولة لهم ضمن الدولة اللبنانيّة» («الصيّاد»، ١٢ آب، ١٩٨٣). لم يكن كلام الزعماء الشيعة التقليديّين ورجال الدين التقليديّين مختلفاً عن خطاب الكتائب يومها. المفتي الجعفري الممتاز لم يتورّع عن تأييد مطالب العدوّ الإسرائيلي، فقال في خطبة بمناسبة عيد الفطر في ١١ تمّوز، ١٩٨٣ ما يلي، بعد أن أثنى على جهود حكم أمين الجميّل في مفاوضات ١٧ أيّار: «إن لنا حقّاً في العيش بحريّة وسلام، وقد يكون لجيراننا حقٌّ علينا في ألا نستعمل أراضينا منطلقاً لأعمال عدائيّة ضدّهم، سوف نحفظ لهم هذا الحقّ، فليحفظوا لنا حقنا عليهم» (١١ تمّوز، ١٩٨٣، «السفير»). كما عارض المفتي قبلان أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وقال بالحرف: «إن العمل العسكري، من أي فريق كان في هذه المرحلة اللبنانيّة لا يمكن أن ينفع أحداً، ولا يستفيد منه أحد… علينا أن نحافظ على أرضنا ونبعدها عن كل إجرام وعمل عسكري، علينا أن نكفّ عن كل هذه الأعمال لنرحم أنفسنا ويرحم بعضنا بعضاً» (١٧، أيلول، ١٩٨٣). والمفتي قبلان زار بصحبة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بيار الجميّل وفادي أفرام، قائد القوّات اللبنانيّة في حينه. وعلّق أفرام على اللقاء بالتنديد بـ«الأيدي الشيوعيّة»، مضيفاً أنّ «الشيوعي يريد إحباط مخطط السلم الذي وُضعَ للبنان» («العمل»، ١٥ كانون الثاني، ١٩٨٣). كما أن المفتي قبلان رفض أي انتقادات عربيّة للمفاوضات اللبنانيّة ــ الإسرائيليّة وطالب أن «يعيرنا العرب سكوتهم» («النهار»، ٢٨ كانون الثاني، ١٩٨٣).

والطريف أن اسم رفيق الحريري لم يرد في الصحافة اللبنانيّة إلا في حقبة المفاوضات اللبنانيّة ــ الاسرائيليّة، وصِفته كانت «مساعد الموفد السعودي الأمير بندر بن سلطان». وكان الدور السعودي مكملاً للدور الأميركي لتسهيل تمرير اتفاقيّة ١٧ أيّار عربيّاً. وكانت الإدارة الأميركيّة تشّدد أنها متفقة مع الحكومة اللبنانيّة في طلبها لـ«دمج قوّات سعد حدّاد في الجيش اللبناني» («النهار»، ١٦ شباط، ١٩٨٣). وقرار الدمج هذا جاء بعد توالي حوادث جرائم الحرب التي كانت قوّات حدّاد ترتكبها في أنحاء مختلفة من لبنان. وكانت أخبار المفاوضات اللبنانيّة ــ الإسرائيليّة ترد في الصحف اللبنانيّة من دون علامات تعجّب أو استنكار، بما فيها تلك الأخبار التي كان الناطقان باسم الوفد اللبناني (أمين معلوف وداود الصايغ) يصرحان بها للإعلام، بما فيها التعاون بين لبنان وإسرائيل على «مكافحة المخدّرات» (راجع أخبار الجولة السابعة عشرة للمفاوضات في ناتانيا في فلسطين المحتلّة، «النهار»، ٢٢ شباط، ١٩٨٣). وكان أنطوان فتّال هو رئيس الوفد اللبناني المُفاوض ولا نعلم ظروف اختياره هو الديبلوماسي والمُحاضر الذي انتقاه على الأرجح حزب الكتائب اللبنانيّة بالتفاهم مع، أو بتزكية مِن، حكومة العدوّ —التي كان مستشرقوها على علم بكتاباته المعادية للإسلام- لأن له مؤلّفاً ضد التعامل الإسلامي التاريخي مع المسيحيّين واليهود، والغريب أنّ أحداً لم يعترض في حينه على تعيين فتّال ربّما لأن أحداً لم يتكلّف عناء قراءة كتابه الصادر في عام ١٩٥٨ بالفرنسيّة بعنوان «الوضع القانوني لغير المسلمين في بلدان الإسلام»، وهذا الكتاب لا يزال مرجعاً مُعتمداً في كل كتابات الكراهية ضد الإسلام من قبل اليمين الغربي، ويرد في الكتاب المبني على تعميمات مبتذلة غير مُتعلّمة تخويف من استمرار «الإسلام» (كأنه اسم لطاغية يجول في البلدان الاسلاميّة) في شنّ الحرب ضد كل غير المسلمين في العالم. وفتّال سعى لطمأنة الوفد الإسرائيلي بانتظام —حسب ما كان يرد في التقارير الرسميّة عن المفاوضات— أن الانتقادات (القليلة) في الصحافة اللبنانيّة للمفاوضات «لن تؤثّر على المحادثات».
وكمْ تنافس معلّقو تلك الحقبة على تبجيل اتفاقيّة ١٧ أيّار. والمحلّل الاقتصادي مروان إسكندر أثنى على المفاوضين اللبنانيّين الذين انتزعوا اتفاقاً يحافظ على المصلحة اللبنانيّة («النهار»، ١٢ أيّار، ١٩٨٣). أما الياس الديري فكتب: «حسناً فعل مجلس النوّاب اللبناني حين قال، بلسان الأكثريّة وبمسؤوليّة تاريخيّة، نعم لاتفاق انسحاب القوّات الأجنبيّة من لبنان» («النهار العربي والدولي»، ٢٠ حزيران، ١٩٨٣). وفي مناسبة التذكير بدور أمين معلوف كمسؤول إعلامي في الوفد اللبناني الرسمي إلى مفاوضات ١٧ أيّار (الطرفة أن كاتباً زعم أخيراً أن أمين معلوف «استُدعي» كي يشارك في المفاوضات، أي أن حكومة أمين الجميّل أرسلت من يضع مسدّساً في صدغه مهدّداً، مما اضطرّه إلى المشاركة) يعود الحديث إلى دور جوزيف سماحة. وهناك مَن زعم أخيراً أن جوزيف سماحة زار فلسطين المحتلّة أو أنه شارك في المفاوضات. لم يكن ذلك صحيحاً: لكن جوزيف (وهو ليس حيّاً كي يردّ) شارك في الوفد الإعلامي اللبناني الذي غطّى المفاوضات (التي كانت تجري دورياً في لبنان وفي فلسطين المحتلّة، وكانت الطوّافات اللبنانيّة والاسرائيليّة تنقل المراسلين اللبنانيّين والاسرائيليّين) وهو اختار ألا يحجم عن الذهاب إلى فلسطين المحتلّة لتغطية المفاوضات (يحاول البعض أن يدلّل على خرق المقاطعة من أحد على أنه دحض للمقاطعة من قبل الجميع). هذا كان خياره. وكتابات الراحل سماحة في تلك الفترة لم تكن، كما قيل أخيراً، مؤيّدة للاتفاقيّة، لكنها كانت ليّنة وتقنيّة جدّاً في نقدها لخيار حكم أمين الجميّل. كان جوزيف مثلاً ينتقد التعويل اللبناني الكبير على الموقف الأميركي، وكتب ذات مرّة في ضرورة عدم «إضعاف الموقف اللبناني في المفاوضات» («السفير»، ٢٥ كانون الأوّل، ١٩٨٢)، مما يوحي بأنه لم يكن رافضاً لمبدأ المفاوضات. لكن مَن قال إن موقف جوزيف كان يجب أن يكون محتذى؟ والحقّ يُقال، العودة إلى كتابات تلك الفترة تذكّر بأن قلم طلال سلمان كان من أشجع الأقلام على الإطلاق، ولم يكن متأثّراً البتّة بجو الإرهاب والترهيب (الذي فرضه حكم أمين الجميّل المتحالف مع الاحتلال الإسرائيلي) -مما عرّضه لمحاولة اغتيال.
وفي هذه الأجواء مَرّت اتفاقيّة ١٧ أيّار بقليل من الاعتراض، وبكثير من التأييد. ينسى البعض أن نائبيْن فقط (نجاح واكيم وزاهر الخطيب) صوّتا ضد الاتفاقيّة وأن رشيد الصلح وألبير منصور وحسين الحسيني امتنعا عن التصويت (لماذا؟) فيما «تحفّظ» نائب حزب البعث العربي الاشتراكي (الموالي للنظام العراقي)، عبد المجيد الرافعي. وحتى رئيس الحركة الوطنيّة وليد جنبلاط، لم يعارض الاتفاقيّة إلّا بعد تبلور موقف معارض (بعضه بإيعاز من النظام السوري الذي كان متساهلاً في البداية مع مبدأ المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، كما صرّح في حينه عبد الحليم خدّام). جنبلاط الذي أولمَ لشمعون بيريز فيما كان صبية فلسطينيّون يقارعون قوّات الاحتلال الإسرائيلي في عين الحلوة، صرّح بعد عودته من لقاء تشاور مع الملك الأردني أنه «مع المفاوضات اللبنانيّة – الاسرائيليّة – الأميركيّة إذا أدّت إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل» («النهار»، ٧ كانون الثاني، ١٩٨٣). أما «المُنسِّق العام للمفاوضات» غسّان تويني، فأعلن أن الهدف هو «إقامة وضع أمان دولي على الحدود اللبنانيّة ــ الاسرائيليّة المعترف بها دوليّاً» («النهار»، ١٤، كانون الثاني، ١٩٨٣).
ليست هذه نكئاً لجراح اندملت. هذه جراح لم تندمل بعد. هناك فريق سياسي في لبنان دوماً يتحفّز للمجاهرة بالتحالف مع العدوّ الإسرائيلي عند أوّل فرصة سانحة. ولو أن عدوان تمّوز نجح في كسر شوكة حزب الله، لكانت السلطة في لبنان قد أعادت فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في ضبيه (مَن يذكر هذا العار في تاريخ لبنان؟). المواقف والاتجاهات السياسيّة للطوائف اللبنانيّة —كافّة— لا يُعوَّل عليها لأنها مبنيّة على حسابات الربح والخسارة للطوائف. وحدها العقائد تحمي من المرونة والليونة في التعاطي مع الخطر الإسرائيلي، وهذا النوع من العقائد يخضع هو أيضاً لحسابات الطوائف المرِنة. إن اتفاقيّة ١٧ أيّار عُقدت قبل أن توقّع ومناخها رافق كل يوم قصف من قبل العدوّ. ومناخ ١٧ أيّار أعاد رفيق الحريري تجديده بمجرّد ان وصل إلى السلطة، مستعيناً بالناطق الرسمي للوفد اللبناني في مفاوضات ١٧ أيّار، مستشاراً خاصّاً به.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت:




September 2016

Blog Stats

  • 1,518,775 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by

Join 764 other subscribers
%d bloggers like this: