Adonis Diaries

How the Jews committed this massacre in Houla (1948), by the Syrian border

Posted on: November 2, 2021

Mortada Al-amine

  · عن ما جرى في “حولا” عام 1948قال أنه لا يستطيع رواية ما حصل.

وأنه لا يعرف كيف تسارعت الأحداث، لينتهي النهار بالفجيعة.

قال أنـهم جـمعوهم في غرفة صغيرة، في بيت خرب.. وأنـهم بـدأوا يسألونـهم.. وقال إن الجنود تـهامسوا وتضاحكوا.. قـال أنه كان واضحاً أنـهم ينتظرون.. وأن أسئلتهم لا تـهدف إلى شيء.. “كان ذلك تسلية خالصة وتقطيعاً للوقت!”..

قال إن الأنفاس ضاقت، وعبقت رائحة مزعجة.. عرق آدمي.. عرق رجـال عملوا طوال النهار في الحقول..

“ولعل تلك كانت رائحة الخوف!”.. قال إن الحركة باتت شبه مستحيلة.. وتزاحم الأجساد مضنياً.. وحين بدأ إطلاق الرصاص، قال أنه لم يشعر بشيء.. وتكوّمت أرتال اللحم والأجساد المعروقة فوقه.. قال إن دماً سال من الجثة التي تعلوه، فمـلأ فمه.. وقال إنه لم يـملك إلاّ أن يبـلع الـدم الطازج.. “شربت دم الحاج مصطفى..

وقال أنـه، بعد أن سكتت البنادق، أحس هدوءاً يكـاد أن يكون لطيفاً.. وتنقل المسـلحون فوق الجثث، يتأكدون من حسـن أدائهم لـمهمتهم.. قال أنـه أغمض عينيه وقـرأ آيـة السّـد، حتى انصرفوا. قال أنـه لـم ير انصرافهم.. ولكنه أحس بـه لـّما خيّـم الصمت.. “كنت كما لـو أنني فـي مقبرة!”.. (وهل تراني كنت في غير مكان؟!!)..

قال أنـه حين تأكد من رحيل الجنود، أزاح بيديه وبـجسده الجثث التـي عَلَتْهُ، ثـم تسلّل من نـافذة قريبـة.. كـان الوقت مساء، وقـال إن القرية قريته.. وأنـه يعرفها بيتاً بيتاً.. وزاروبـاً زاروبـاً.. “ورغم ذلك تـهت!”.. قال إن الظلمة خدعته.. وشبح الخوف ركبه، فضـاع ولـم يعرف كيف يتجه.

قال أنه أراد التوجه نـحو الوادي، فوجد نفسه قرب الحدود.. قـال أنه انبطح.. تـماسك.. فكر.. ثـم توجه من جديد.. قـال إن الفجر كاد أن يدركه.. “لـم أحـزن على أحد.. ف ألـهتني نـجاتي والمـوت المتربص”.. قـال إنـه اكتشف أن الـحزن هو شيء غضّ، من السهل إزالتـه.. “فهو لا يـحتمل منافسة الخوف!”..

قال. وحين تعثَّرْتُ بـجثة جواد الـمرمية عند البيادر، تعاظم خوفي.. وآمنت بأن أقدارنا أقوى منـا!.. لم يكن جواد معنـا فـي الغرفة، ولكـنه مات مثل الآخرين.. لم تسنح له الفرصة ليخلـع بيجامته، فمات كأنه ذاهب إلى النوم، ونـجوت أنـا!!..

وها أنا أروي ما جرى. فكأنني أعرف ما أروي.. وكأنني فهمت ما جرى!!.. والحكمة؟.. لا حكمة، . فما الذي سـتستنتجه مـما رويت؟.. أن لا تلـبي دعوة إلى غـداء؟.. لا. فهذا أمر عبثي. قـال إن الحياة تطالبنا بأن نرتـجل قراراتنا.. فـالقيـاس مع الحياة، لا ينفع!.. فـاذهبوا إلى الغداء إذا دُعيتم.. وإذا حُشرتـم في غرفة موصدة، فاختاروا أقرب الأمكـنة إلى النافذة.. فهذا هو سبب نـجاتي.. لـم يصل الرصاص إلـيّ.. امتصته الأجساد التـي تقدمتني، فنجوت..

نـجوت، ومـات الـحاج مصطفـى، فشربت دمه!.. قال إنـه فـي تلك اللحظات، حين كان يتخبط في تيهه، تذكر اليهودي الذي قبضوا عليه في كرم العنب في أطراف القريـة فجرجروه في الطرقات، وسحلوه مربوطـاً إلـى فرس.. وأنـه أحس لـذّة، لم يشعر بـها من قبـل.. “اجتاحتني اللذة، فتـمّنيت لو أنني ساهمت في تعذيبـه، حينـذاك!”.. قال إن آخرين أيضاً ماتـوا.. وسال دمهم فوق أرض الغرفـة الأسـمنتية..

قال إن النهار لم يشر إلى نـهاية كهذه. وأن أمـه، حين طلبت منه التوجه إلى القرية المواجهة، لـم تكن تتنبأ بالكارثة.. “جدك ينتظرك في حولا” قـالت.. فسـرت مع الفجر.. وعلى جانبي الطريق كانت الحقـول متخمة بالقمح الجاهز للحصاد.. ولكن أحداً لم يـجرؤ علـى التوجه إلـى الحقول.. فقد كانت المعارك عشوائية، والموت سهلاً.. قـال. وحسبتني واثقاً مما أفعله.. أردت إنقاذ الموسم والبشـر والقريـة.. ولم أهتم للجنود المنتشرين في الأنـحاء، لأنني كنت أعرفهم.. فنحن بنينا لـهم فـي “المنـارة” بيوتـهم .. ولـم نكـن نعرف أننا نبني بيوت قاتـلينا!..

كنت أعرف قائـدهم كـذلك.. وبدا لـي سهل القياد.. فقد تفهّـم ما أطلبه، ولـم يدقّق في وعودي السريعة. فباشرنا العمل.. سابقنا الشـمس.. والشمس سابَقَتْنـا.. كان الجنود يراقبوننا ويتهامسون.. كانت أفواه البنادق تراقبنا.. ولـكنني طمأنت أهل القرية، فقاموا إلى حقولـهم.. وأتـخمنا البيادر بـحصاد كـان منـذوراً لـلفئران.. قـال أنـهم تعـاونـوا كيد واحدة.. لا أحد يبالي أرض من يـحصد..

قال إن المناجل عملت والزنود عملت والصبايا والمسنون عملوا.. قال إن الجنود تراهنوا.. وحسبوا الوقت اللازم لإنـهاء هذا الحقل أو ذاك.. قـال إن أصحاب الأرقام الدنيـا ربـحوا.. وكان الوقت يـمضي.. قـال إن الشـمس بـدأت، كأنـما، رحلتها مبكرة نـحو الغروب.. “ودُرْتُ أُنَبِّـهُ الفلاحين.. اتركـوا كل شيء الآن.. غداً نعـود!!”..

قال إن الجميع أطاعوه.. فسبقت النساء رجالـها إلى المنازل لإعداد الطعام.. قال إنـهم ساروا إلى القرية جماعـة واحدة.. وأنه فقط عند مدخل القرية، بدت نواياهم الواضحة.. قـال إن الرجال اقتيدوا إلى منزل خرب.. وأنه لـمح الضابط بين جنوده.. فسار إليه وسأله ماذا تريدون منا؟.. قـال إن الضابط ابتسم ابتسامتـه الصفراء، وسأله ساخراً:”أين جيش الإنقاذ؟”.. قـال أنه حاول أن يـجيب إجابة غامضة، لا تقول شيئـاً.. ولكن الضابط لم يبد رغبة في الاسـتماع. وأمره بـالتوجه مع الآخرين إلـى المنزل. قـال إنـه سألـهم في الـمنزل كذلك “ماذا تريـدون منا؟”.. وأنـهم تـجاهلوا أسئلته..” وحين أمرونا بالدخول إلـى الغرفة، اعْـتَرَضْتُ”.. قال أنه أخبرهم بأن الغرفة ضيقة، ولا

تتسع لكـل هذا الخلق.. “لسنا بقراً لتحشرونـا فـي زريبة!!”.. وأنه هدد الجنود “سأشكـوكم إلى الضابط!”.. وهـزء الجنود منه.. وأمروه بأن يكون أول الداخلين إلى غرفة الحشر، كما سـمّاها. وقال إن هذا هو، ربـما، ما أنقذه..

“تراكم الرجال أمامي وحولي.. فما عاد صوتـي مسموعاً.. ولـو أنـهم سمعونـي لما بـالوا بـما أقـول!..”.. قال إنـهم كانوا ينفذون أوامر صارمة.. ولم يرغبوا بالمزاح.. وأنـهم نعتوهم بالكاذبين.. “قرية كاذبة!”.. قـال واحد من بـين أسنانـه.. “لستم قتلـة فقط، وإنـما أنتم أيضاً كذّابون!!” تـمتم جندي آخر.. وسألنا آخرون عن الذبـائح:”من منكم قدّم أسمن الخراف لـجنود جيش الإنقاذ؟..”.. “امرأة من منكم أجـادت الزغاريد أكثر؟”.. قال بـأن الدنيا بدت لـه فجأة مروِّعة!.. وأنه أحس بالبنادق تكلّمه وتـهزأ منه..

قال إنه حـاول بقوة أن يتقدم نـحو الباب.. “فأنـا، بشكل أو بـآخر، مسؤول عن مصير هذا الخلق”.. ولكن.. “سبقني الرصاص.. انفجارات تصمّ الآذان. ورائحـة البارود الخـانقة.. والدخان الذي يعمي العيون.. ما عدت أعرف شيئاً.. ثـم ملأ الدم فمي.. لم أصب.. كان جسدي سليماً.. هذا دم الحاج مصطفى الحار.. الطازج.. بلعتـه.. ولكن كميات أخرى تدفقت.. ما عدت أعرف دم من أشرب.. وتـمسّحت بدماء آخرين..

وحين رحلت البنادق.. قمت من الـموت داميـاً، ولـكن بلا إصابات.. وزحفت.. تـهت.. حتى جئت إلـى هنا.. فأين أنـا الآن؟ .. ومن يستطيع إقناعي بـأنني نـجوت؟.. من يشرح لي أين أخطأت.. وكيف أزيل من فمي طعم الدماء الطازجة؟!..”. من رواية “أصوات حادة” ــــ 2000عن ما جرى في “حولا” عام

قمت من الـموت داميـاً، ولـكن بلا إصابات.. وزحفت.. تـهت.. حتى جئت إلـى هنا.. فأين أنـا الآن؟ .. ومن يستطيع إقناعي بـأنني نـجوت؟.. من يشرح لي أين أخطأت.. وكيف أزيل من فمي طعم الدماء الطازجة؟!..”.

من رواية “أصوات حادة” ــــ 2000

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out /  Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out /  Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out /  Change )

Connecting to %s

adonis49

adonis49

adonis49

November 2021
M T W T F S S
1234567
891011121314
15161718192021
22232425262728
2930  

Blog Stats

  • 1,513,506 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.adonisbouh@gmail.com

Join 820 other followers
%d bloggers like this: