Adonis Diaries

Posts Tagged ‘أسعد أبو خليل

Again, who is this fake “leader” refusing to form a government in Lebanon?

Saad Hariri just inherited everything, even the title of PM of Lebanon by direct pressures from Saudi Kingdom.

Since 2004, he seems Not to have learned much on how to lead or deciding which country he represents (Lebanon or Saudi Kingdom)

This man claimed to be the “Father of the Sunnis” in Lebanon, though his movement barely got 15% of the Sunnis

He was kidnapped and imprisoned by the the Saudi monarchy and beaten and humiliated, and till now, he never mastered enough courage to come out of his detention while a Lebanon PM

كتب أسعد أبو خليل:
كلمة عن سعد الحريري (خطرت لي أثناء العوْم في شبر ماء).

لو لم يرث هذا الرجل ثروة واسماً من والده (الذي وصل إلى السياسة بالمال والسجود لنظاميْن قمعيّّيْن وليس لنظام واحد) لما كنّا نتكلّم عنه.

المشكلة ليست في إنه يفتقر إلى المواهب والمعرفة والذكاء والكفاءة والمروءة والصدق والشجاعة الأخلاقيّة, بل هذا رجل معتد بجهله وسوء خلقه.

كتب عنه عامر محسن (3amer Mo7ssen) قبل أسبوع: هذا كاد كي يتوقّف صفعه وضربه في الرياض ان يوصل البلاد إلى حرب أهليّة طائفيّة مذهبيّة عندما قرأ نصّاً كُتبه له السبهان–والحريري متعوّد على قراءة ما يُكتَب له بالفصحى والعاميّة–وزعم فيه انه هرب من البلاد بسبب محاولة اغتيال ضد شخصه.

لم يدرك بسبب غبائه وعدم وطنيّته خطورة ما قرأ. لا, ولأنه بسبب جبنه وانصياعه لمعلّمه في الرياض, محمد بن سلمان, يريدنا–مثل بولا يعقوبيان–ان نتشارك معه في مؤامرة التضليل والكذب والخداع وأن نقول إنقاذا لسمعة صاحب المنشار أنه كان حرّاً طليقاً في الرياض, بالرغم من استجدائه دولاً عديدة لتخليصه.

انا كما تذكرون قبل سنة, اعترضتُ على هذا التعاطف معه من قبل مؤيّدي المقاومة في لبنان وناديتُ بالمطالبة بالحفاظ عليه في الرياض, مربوطاً بكرسي لأن هذا ما يستحقّه لما فعله بلبنان وبسوريا أيضاً–كي لا ننسى سجلّ نشر الإرهاب لزلمته وسام الحسن الذي تفجّعت الطبقة الإعلاميّة عليه وانتحبت.

هذا ماذا يريد؟ ظهر اليوم فيما رُتِّبَ له من حفلة هزل–وكل ظهور له هو هزل لأنه لم يتقدّم أو يتطوَّر انملة واحدة بعد أكثر من عقد في العمل السياسي–وصاح أنه “أبو السنّة”.

ما هذا القول القميء ولماذا هو–مثل أبيه والسينورة–لا يجدون ملاذا لفشلهما وانهمزامها إلا في التحريض الطائفي والمذهبي؟

ليس هناك مَن هو رجعي ويميني وفاسد أكثر من صائب سلام لكنه لم يتحدّث بهذه اللغة قطُّ. حتى صائب سلام. هل يمكن ان يتصوّر احد ان يتحدّث سليم الحصّ أو الراحل رشيد كرامي بهذه اللغة؟

غير معقول. ميشال عون يقول “بي الكلّ” والصفة لا طائفيّة فيها, ونصرالله الذي يعيّره فريقك لأنه قائد حزب ديني لم ينطق باسم الشيعة على هذه الطريقة القبيحة.

وعلمَ الحريري ان الصحافة في لبنان مدجّنة وفاسدة فلم يكن يخشى ان يظهر امامها لبضع دقائق. لكن كان هناك بعض الشجاعات من الإعلاميّات, أبرزهم نانسي السبع. وسألتك السؤال البديهي الذي لا يسألك إيّاه أي من نخبة الإعلام في لبنان: لا مارسيل غانم ولا دنيز رحمه فخري ولا باقي الشلّة في فريق السبهان المحلّي.

وكيف أجبتَ؟ ان خبر اعتقالك وضربك هو من جريدة “الأخبار”. أبلغَ بكَ الغباء إلى هذه الدرجة؟ الناس لا تقرأ ما يُكتب عن إذلالك وضربك وربطك وصفعك وشتمك في الرياض؟

الصحافة العالميّة تحدّثت عن ذلك لا “الأخبار”. ثم تأتي إلى المؤتمر وتجلب معك “زقيّفة” و”هتّافة” على طريقة زعران الحيّ؟ تفرّستُ في وجوه بعضهم: هؤلاء الذين تمرّسوا في طاعة المخابرات السوريّة يتمرّسون اليوم في طاعة المخابرات السعوديّة وبعض هؤلاء أثرى من الثورة الفلسطينيّة قبل ان ينقلب عليها ويصبح من أعوان إسرائيل في لبنان.

ثم تتوجّه إلى “برنت سادلير” (مراسل سي.إن.إن السابق) كي يسألك سؤالا؟ مزحة كانت هذه؟ هذا كان يعمل لدى والدك وعمل لدى عائلتك فيما بعد وتُظهره لنا على انه مراسل أجنبي في بيروت؟ ألهذه الدرجة تخاف من الحقيقية؟

لم تردْ ان يسألك احد عن الاحتجاز؟ أخبرني أكثر من صحافي اجنبي انهم عندما يسألونك عن الاحتجاز تقول لهم: لا تريد ان تتحدّث عن ذلك. انتَ لا تستحقّ إلا أن تكون قائدا على برنت سادلر وجمال الجرّاح وباسم السبع وباقي الشلّة.

في زمن تنعدم فيه العصبيّات الطائفيّة, أمثالك يُربطون بكرسي من قبل الشعب وليس من قبل صاحب المنشار.

How Lebanon civil war started and why?

هكذا أشعلت أميركا الحرب الأهليّة: لبنان شرطـة لأمن إسرائيل [2]

يمكنكم متابعة الكاتب عبر تويتر | asadabukhalil@

The Phalanges (Kataeb) party was created whole by the French mandated power in 1936 to counter nationalist organizations who refuted the notion of being mandated, and also to face other sectarian parties, mostly Islamic.

Ever since this fascist party has served well the western nations and Israel, and prevented the establishment of a valid State for all citizens.

Three of its members were elected President of Lebanon, and each one of them brought calamities to Lebanon.

اليمين اللبناني سعى إلى التسلّح بكامل إرادته لا «مُكرهاً» (أ ف ب)

يكشف كتاب صدر حديثاً في الولايات المتحدة دور واشنطن في السياسة اللبنانيّة في بداية الحرب الأهليّة. الكتاب الذي يحمل عنوان «ميادين التدخّل: السياسة الخارجيّة الأميركيّة وانهيار لبنان، ١٩٦٧ ــ ١٩٧٦»، يعتمد على الأرشيف الأميركي من سجلات وزارة الخارجية ودوائر استخبارية وغيرها، ويُظهر في صفحاته ضلوع واشنطن في إشعال الحرب الأهليّة واذكائها وكيفيه تعاملها مع «حلفائها» في بيروت. في ما يأتي، الحلقة الثانية من السلسلة التي تنشرها «الأخبار»

أسعد أبو خليل

ما يكتشفه المرء من هذه الوثائق الأميركيّة الرسميّة حميميّة العلاقة بين حزب الكتائب اللبنانيّة والحكومة الأميركيّة (أي إن مقولة أن حزب الكتائب اضطرّ مرغماً إلى الاستعانة بـ»الشيطان»، أي إسرائيل، في سنوات الحرب الأهليّة لأنه كان معزولاً، ما هي إلا واحدة من أكاذيب الحزب الذي كان يتنعّم مبكراً بدعم خليجي وأردني وأميركي، حتى لا نتكلّم عن دعم غربي آخر لا وثائق عنه إلى الآن).

كذلك إن أحزاب الكتائب والأحرار والكتلة الوطنيّة، أو بالأحرى إن شخص كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إدّة (الذي افترق عن حلفائه في مطلع الحرب والذي لا يبرز في الوثائق كما يبرز شمعون والجميّل، لكن الأخيرين ينطقان في اللقاءات مع الأميركيّين باسم «الحلف الثلاثي» آنذاك) كانوا مشاركين فعليّاً في الحكم في عهد شارل الحلو وسليمان فرنجيّة. يبدو أن زعماء الموارنة تكتّلوا في قيادة جماعيّة عندما بدأ نظام الهيمنة الطائفي الذي زرعه الاستعمار الفرنسي، ورعاه الغرب في ما بعد، يتعرّض للاهتزاز والتهديد المباشر.
وقد ضغط الأحرار والكتائب والكتلة الوطنيّة على شارل حلو لعدم الرضوخ للمزاج الشعبي والرسمي العربي بقطع العلاقة مع دول الغرب بعد حرب ١٩٦٧.

والحلف الثلاثي (الذي فاز بنجاح باهر في انتخابات ١٩٦٨ ــ ومن المُرجّح بقوّة ــ بناءً على العلاقة التي جمعت أحزابه مع حكومات الغرب، أنه تلقّى معونات أميركيّة مباشرة في الحملات الانتخابيّة، لكن الوثائق لم تظهر بعد في ذلك) لم ينتظر إلى نهاية شهر حزيران كي يصدر بياناً يطالب فيه بـ»تدويل لبنان» والحصول على ضمان خارجي لحياده (كأن لبنان كان مُشاركاً في حرب حزيران ــ راجع كتاب جيمس ستوكر، «ميادين التدخّل: السياسة الخارجيّة الأميركيّة وانهيار لبنان، ١٩٦٧-١٩٧٦»، عن دار نشر جامعة كورنيل، ص. ٣٢). لا بل إن الجميّل أصرّ على حلو أن يعود السفير الأميركي على عجل بعد مغادرته ردّاً على إجماع عربي (ولبناني شعبي).

وعرض على الأميركيّين نشر قوّات ميليشيا الكتائب لحماية أمن السفارة الأميركيّة. إن قراءة التقارير من تلك الفترة يؤكّد بصورة قاطعة أن الميثاق الوطني المزعوم لم يكن إلا كذبة انطلت على الزعماء المسلمين في لبنان، وكانت بنودها سارية فقط على فريق واحد، في رفض التحالف أو الاندماج مع المحيط العربي، فيما كان كل رؤساء الجمهوريّة الذين تعاقبوا بعد الاستقلال ــ بالتحالف مع الزعماء الموارنة ــ متحالفين سرّاً وبقوّة مع الدول الغربيّة، مُطالبين على الدوام بتدخّل عسكري أميركي أو فرنسي أو حتّى إسرائيلي في صالحهم. لقد خالف الزعماء الموارنة كل بنود «الميثاق الوطني» فيما كانوا يعظون الغير بجدوى «الميثاق» فقط كي يعزلوا لبنان عن محيطه العربي (ولم يكن المحيط العربي خاضعاً لمشيئة حكّام الخليج آنذاك).
ويرد في الوثائق أن حزب «الأحرار» و»الكتائب» ألحّاً في شهر حزيران وتمّوز من عام ١٩٦٧ على السفارة الأميركيّة للحصول على السلاح والمعونات الماليّة. وكتب السفير الأميركي إلى حكومته في هذا الصدد أنه ــ وإن لم يوصِ بتلبية الطلبات الواردة ــ يوصي بأن تُبلَّغ «اللجان المعنيّة» في الإدارة الأميركيّة بالطلبات في حال تغيُّر توصيته في هذا الشأن.

وفي حزيران من عام ١٩٦٧، طلب شمعون رسميّاً من الحكومة الأميركيّة تسليحاً ومساعدات ماليّة باسمه وباسم بيار الجميّل وريمون إدّه، وذلك للتصدّي لنفوذ كمال جنبلاط «والمتطرّفين المسلمين». حتى شيخ العقل اليزبكي، رشيد حمادة (كان للدروز شيخا عقل يومها، والوثيقة الأميركيّة وستوكر أشارا إلى حمادة فقط كـ»زعيم درزي») طلب سلاحاً ومالاً من السفارة الأميركيّة في بيروت في ذلك الشهر. وكأن الردّ على هزيمة ١٩٦٧ كان عند كل هؤلاء في تعزيز الحضور الميليشاوي لأعداء المقاومة الفلسطينيّة واليسار في لبنان (وحلفاء العدوّ الإسرائيلي كما سيتضح بعد قليل). ولم ينسَ حمادة هذا، المتحالف مع شمعون (والذي ذكّر بتحالفه مع «الحلف الثلاثي») أن يحذّر السفارة الأميركيّة من عواقب تجهيز الاتحاد السوفياتي لميليشيا كمال جنبلاط. والنائب اللبناني في حينه، أندريه طابوريان، التقى بالديبلوماسي الأميركي تالكوت سيلي في واشنطن، أثناء زيارة الأوّل للولايات المتحدة كي يطلب هو الآخر السلاح من أميركا (لم يتضمّن كتاب ستوكر طلب طابوريان هذا، لكنه نشر الوثيقة على صفحته). وورد في الوثيقة أن طابوريان أكّد أن السلاح لن يُستعمل إلّا ضد «المتطرّفين» وأنه سيردع «التحرّك الشيوعي المعادي» (ص. ١ من الوثيقة التي نشرها ستوكر). (وطابوريان هو الوحيد الذي ذكر في لقائه مع الأميركيّين إسرائيل بالسلب، وأشار إلى اقتناع فريق من اللبنانيّين بخطورة المطامع الإسرائيليّة في لبنان).

أما العماد إميل بستاني، قائد الجيش، فقد التقى بالقائم بالأعمال الأميركي ــ بطلب من شارل حلو ــ وسأله عن إمكانيّة مساعدة الحكومة الأميركيّة للجيش اللبناني في السيطرة على «معارضة من قبل عناصر إسلاميّة في لبنان» أو للحدّ من جهود «عناصر شيوعيّة خارج لبنان» للقيام بأعمال «ضد مصالح أميركا أو ضد إسرائيل» (ص. ٣٣). وحذّر بستاني من أن الحكومة يمكن أن تنساق وراء دعوات عربيّة لمقاطعة أميركا وبريطانيا من دون «ضمانة أميركيّة واضحة». وفهم القائم بالأعمال أن طلب المساعدة يشمل طلب مساعدة عسكريّة. وعندما صدرت قرارات عن مجلس الوزراء اللبناني لمقاطعة شركات أميركيّة (مثل «كوكا كولا» و»فورد» و «أر.سي.إي») أكّد شارل حلو للقائم بالأعمال الأميركي أن القرارات لن تنفَّذ أو ستنفَّذ ببطء شديد. واللافت أن الحكومة الأميركيّة لاحظت أن الموقف الإسرائيلي من لبنان لا يتعلّق فقط بوجود الفدائيّين على أرضه، واليسار اللبناني،

بل إن هناك أطماعاً إسرائيليّة في لبنان. وبالرغم من أن لبنان لم يشارك في الحرب بأي صورة من الصور، فإن الحكومة الإسرائيليّة أرهبت لبنان عبر اعتبار اتفاق الهدنة مُلغىً، كذلك لمّح رئيس الحكومة الإسرائيلي في شهر أيلول إلى أطماع إسرائيل في نهر الليطاني.
وعندما قصفت إسرائيل حولا في أيّار ١٩٦٨، حاولت الحكومة الأميركيّة إفهام حليفتها بأن قدرة الحكومة اللبنانيّة على «محاربة الإرهاب» الفلسطيني وعلى الحفاظ على انحياز الحكومة نحو الغرب تضعف. وإلحاح الميليشيات اليمينيّة ذات القيادة المارونيّة في طلب التسلّح لم يتوقّف. ففي أكتوبر من عام ١٩٦٨ أبلغ قيادي كتائبي القائم بالأعمال الأميركي أن الحزب قد يتقدّم بطلب تسلّح لميليشيا الكتائب، وأن للحزب قدرة قتاليّة بعدد ٥٠٠٠ رجل وقوّة كوماندوس بعدد يراوح بين ٥٠ و٧٠ (ص.٣٧).

وأكّد القائد الكتائبي ان للحزب ما يكفيه من السلاح الخفيف، لكنه يحتاج إلى «توحيد معايير التسلّح» وإلى سلاح ثقيل. لكن التقرير أوضح أن الحكومة الأميركيّة لن تلبّي الطلب الكتائبي. حتى النائب الشمعوني، فضل الله تلحوق، طالب الحكومة الأميركيّة بسلاح لمواجهة جنبلاط. (كان هذا في زمن كان فيه الشيوعيّون اللبنانيّون يصرّون فيه على «النضال البرلماني» الصرف).

أما الاعتداء الإسرائيلي على مطار بيروت في ديسمبر عام ١٩٦٨ الذي كان فيه إسكندر غانم قائد منطقة بيروت، وقد تلقّى تحذيرات قبل الاعتداء من أجل حماية المنشآت المدنيّة بما فيها المطار (وغانم هذا كان هو الرجل نفسه الذي لامه صائب سلام على تخاذله في اعتداء نيسان ١٩٧٣ ــ عندما كان قائداً للجيش ــ واغتيال قادة المقاومة في فردان، ما أدّى إلى استقالة سلام بسبب رفض سليمان فرنجيّة صرفه من قيادة الجيش، أو محاسبته على أقلّ تقدير) فقد زاد من قلق الحكومة الأميركيّة على استقرار النظام اللبناني الحليف.

لكن الحكومة الأميركيّة حوّلت الاعتداء الإسرائيلي الإرهابي على لبنان إلى مناسبة لتشجيع التفاوض وتبادل الرسائل بين الحكومة اللبنانيّة والحكومة الإسرائيليّة. ووجّه ليفي أشكول رسالة إلى الحكومة اللبنانيّة نوّه فيها بالسلوك «التعاوني» (ص. ٤١) للحكومة اللبنانيّة (مع العدوّ) على مدى عشرين عاماً، لكنه حذّر من مغبّة من أي اعتداء من لبنان على إسرائيل. وكان شارل حلو، من دون علم رئيس حكومته ومجلس النوّاب، يسعى إلى تدخّل غربي أو نشر قوّات من الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني لحماية حدود الكيان الصهيوني من العمليّات الفدائيّة (لكن إسرائيل هي التي رفضت الفكرة التي كان ريمون إدّة من دعاتها العلنيّين).

لكن النيات التخريبيّة والفتنويّة للفريق اليميني تبدّت في أوائل عام ١٩٦٩، عندما طلب كميل شمعون مساعدة عسكريّة أميركيّة (لحزبَي الكتائب والأحرار) من أجل إسقاط حكومة رشيد كرامي عبر الإضرابات والتظاهرات (لكن طلب السلاح يتعدّى فعل التظاهرات، وقد رفض الديبلوماسي الأميركي طلب شمعون هذا ــ حسب الوثيقة). وتقدمّ حزب الكتائب بطلب مماثل في نفس الشهر. وقد طلب شارل حلو من السفير الأميركي ثني الكتائب والأحرار عن خططهم وأنها يمكن أن تؤدّي إلى معركة قد يخسرونها وقد تطيح أيضاً «التوازن الطائفي» في البلد. وحسب ما ورد في تلك الوثائق، فإن موقف رشيد كرامي آنذاك لم يعارض الطلب من الدول الخليجيّة (عبر راعيتها الأميركيّة) التأثير في الفدائيّين لوقف نشاطهم من لبنان، وإن كان يخشى إعلان ذلك. (ص. ٥٦).
وفي شهر حزيران 1969 طالب الجميّل وشمعون (مرّة جديدة) السفير الأميركي بتسليح لميليشياتهم، كذلك تقدّم شمعون بطلب رسمي من نائب رئيس البعثة الأميركيّة بسلاح خفيف لـ «حماية المسيحيّين». وفي لقاء في السفارة، أدان الجميّل تخلّي الحكومة الأميركيّة عن أصدقائها في لبنان،

فيما حذّر فضل الله تلحوق (الذي قدم طلباً هو الآخر للتسلّح) من أخطار تتهدّد لبنان بسبب عدم تلبية طلبيات التسلّح. لكن موقف السفير الأميركي، وفق المداولات في داخل الإدارة الأميركيّة، بدأ بالتغيّر لمصلحة تسليح «المسيحيّين». لكن المسؤول الأميركي تالكوت سيلي (عمل في ما بعد سفيراً في دمشق وبادر للاتصال بمنظمّة التحرير الفلسطينيّة في السبعينيات، مخالفاً تعليمات كيسنجر) رفض فكرة السفير وحثّ على إقناع الزعماء الموارنة بانتهاج الاعتدال والتعايش مع المسلمين.

لكن شارل حلو كان يتواصل سرّاً مع الإسرائيليّين، كما أخبر أبا إيبان الحكومة الأميركيّة في شهر أيلول. وفي رسالة سريّة ومباشرة وجّهها الرئيس اللبناني إلى إسرائيل، قال لهم إنه «يتفهّم المشكلة التي يُشكّلها الفدائيّون ضد إسرائيل، لكن الحكومة لا تستطيع أن توقف التسلّل كليّاً»
(ص. ٥٨). وعندما وصل الجواب الإسرائيلي إلى حلو، ومفاده أن الحكومة الإسرائيليّة ستتخذ «الإجراءات الدنيا لحماية مواطنيها»، وصفه بأنه «يُظهر تطوّراً إيجابيّاً في الموقف الإسرائيلي».

وقد أخبرت الحكومة الإسرائيليّة الحكومة الأميركيّة أن «لبنانيّين مرموقين» كانوا يتواصلون معها سرّاً وأنهم «يرحّبون باعتداءات إسرائيليّة على قواعد الفدائيّين بين الحين والآخر».
لكن الموقف الأميركي تغيّر بحلول شهر أكتوبر من عام ١٩٦٩، حين عقدت «مجموعة العمليّات الخاصّة في واشنطن»، وهي لجنة حكوميّة تجتمع للتعامل مع الأزمات، اجتماعاً خاصّاً للتباحث في شأن التدخّل في لبنان. وتركّز البحث على المفاضلة بين تسليح الجيش اللبناني وتسليح «الميليشيات المسيحيّة». ووافق كل المجتمعين على وضع خطة تكون موضع التنفيذ لتسليح الميليشيات اليمينيّة، لكن لم يكن واضحاً الظروف التي يمكن فيها مباشرة عمليّة التسليح. وزارة الخارجيّة رأت أن سقوط الحكم في لبنان يمكن أن يكون الحافز للتسليح. أما ممثّل وكالة المخابرات الأميركيّة، فاقترح تسليح الميليشيات عبر شركة أميركيّة خاصّة (مثل «إنترأرمكو») لمدّ الميليشيات بالسلاح، على أن تتكفّل الحكومة الأميركيّة بالنفقات. وبُحث في أمر التسليح عبر عمليّات إسقاط من الجوّ (ص. ٦٣).

وعندما تساءل مسؤول أميركي عن سبب عدم المباشرة بتسليح الكتائب على الفور، أجابه كيسنجر بأن تسليح الجيش اللبناني مماثل لتسليح الكتائب، لأن الجيش واقع تحت «سيطرة ضبّاط متعاطفين مع الكتائب».

لا نعرف حسب الوثائق ماذا حصل بعد هذا الاجتماع، لكن الاستنتاج بمباشرة التسليح يكون منطقيّاً، خصوصاً أن كيسنجر أخبر نيكسون بأنه بالإضافة إلى التسليح، فإن الحكومة الأميركيّة ستقوم أيضاً بـ»عمليّات سريّة». لكن وزارة الدفاع حذّرت من أن تسليح الكتائب سيؤدّي إلى صراع طائفي. ومن الأكيد أن الحكومة الأميركيّة قامت بتحريك أساطيلها في البحر على بعد ٤٥٠ ميلاً من لبنان لدعم النظام اللبناني. وفضّل كيسنجر تدخّلاً إسرائيليّاً على التدخّل الأميركي المباشر في لبنان.

وفي موازاة المفاوضات التي أدّت إلى اتفاقيّة القاهرة، قامت الحكومة الأميركيّة بالاستعانة بتاجر السلاح الأميركي ــ اللبناني المعروف، سركيس سوغانليان (الذي لعب دوراً كبيراً في تسليح الميليشيات اليمينيّة في سنوات الحرب في ما بعد، ولنا عودة إليه) لإمداد قوى الأمن الداخلي بوسائل عسكريّة «للسيطرة على المخيّمات وعلى التظاهرات» (ص. ٧١). ورأت السفارة الأميركيّة في تسليح قوى الأمن والجيش أنه لا يختلف عن تسليح الميليشيات، وأكدت قيادة الجيش اللبناني أنها ستتولّى هي تسليح الميليشيات وتجهيزها عندما يحين الوقت. وكان ممثّلون عن الجميّل وشمعون وإدّة وسليمان فرنجيّة يسعون إلى التسلّح في لبنان، أو في خارجه. (قدّمت الميليشيات طلبات تسلّح من الحكومة الفرنسيّة أيضاً).
ومن العمليّات السريّة التي اتفقت عليها الحكومتان الأميركيّة واللبنانيّة (عبر لقاء بين ميشال خوري والسفير الأميركي) محاولة «إحداث الشقاق» (ص. ٧٣) بين الفدائيّين والأهالي في جنوب لبنان.

وقدّم ميشال خوري في كانون الثاني ١٩٧٠ طلباً رسميّاً من أميركا في هذا الشأن، عبر تقديم مساعدات ماليّة سريّة لـ»مؤسّسات دينيّة وسياسيّة» في جنوب لبنان، أو عبر الحصول على مساعدات من شاه إيران بوساطة أميركيّة. لكننا لا نعرف طبيعة تلك العمليّات السريّة لإشعال الفتنة بين الأهالي والفدائيّين (قد يكون قصف العدوّ للقرى من نتاج تلك العمليّات).
وعندما صعّد العدوّ الإسرائيلي من غاراته على لبنان في الأشهر الثلاثة الأولى من عام ١٩٧٠، لم تتوقّف الاتصالات الرسميّة المباشرة بين الحكومة اللبنانيّة وحكومة العدوّ. ونقل «مطران مقيم في القدس من أصل لبناني» (لم يرد اسمه في الوثائق)، وكان يلعب دور الرسول بين حكومة العدوّ ورئيس الجمهوريّة اللبنانيّة تهديداً من موشي دايان بتحويل لبنان إلى صحراء.

لكن شارل حلو ردّ على التهديد المباشر بالودّ والاحترام لإسرائيل (وقال إنه كان متحفّظاً في ودّه خشية تسرّب مضمون الرسالة التي بعثها إلى دايان.) وفي رسالته، أوضح حلو أن لبنان يلعب في الماضي والحاضر دور «شرطي إسرائيل»، مع أنه لا يستطيع أن يعترف بذلك. وأضاف حلو أن تدمير لبنان سيكون بمثابة تدمير إدارة شرطة حيفا. وزاد حلو عاملاً طائفيّاً يحمل تعاطفاً مع الصهيونيّة، إذ قال «إنه ليست في مصلحة إسرائيل تدمير الدولة الديموقراطيّة غير الإسلاميّة الوحيدة وذات التنوّع الديني في المنطقة. وإن اللبنانيّين بالرغم من مشاكل تعتري تفهّمهم، فإنهم على الأقل يفهمون مشاكل إسرائيل، وأن هذا قد يشكّل رصيداً قيّماً لإسرائيل عندما تقرّر أن تندمج ــ وليس فقط أن تكون في ــ الشرق الأوسط».
(يتبع السبت المقبل)

إسرائيل تحترم فؤاد شهاب

طلب فؤاد شهاب أن تزيد قوّات الاحتلال الإسرائيلي من دوريّاتها على الحدود مع لبنان لمنع الفدائيّين من الحركة (مروان طحطح)

في أزمة نيسان 1969، هنأت الحكومة الأميركيّة رئيس الجمهورية شارل حلو على استعمال القوّة لقمع المتظاهرين. وزاد شارل حلو من رغبته في طلب تدخّل عسكري أميركي (أو «آخر»)، لكن السفير الأميركي أبلغ ميشال خوري، مبعوث حلو الشخصي، أن عليهم ألّا يتوقّعوا تدخّلاً عسكريّاً أميركيّاً في لبنان (ليس مباشراً، على الأقل). عندها، أجابه خوري بأنهم تلقّوا نفس الجواب من فرنسا، ما يوحي أن حلو كان قد طلب تدخلاً عسكريّاً فرنسيّاً ضد الفدائيّين واليسار في لبنان. لكن حلو لم يكتفِ بالأجوبة الفرنسيّة والأميركيّة، إذ هو أرسل في سؤال عاجل إلى السفير الأميركي سائلاً: «في حالة القلاقل المدنيّة التي قد تكون فوق طاقة قدرات قوى الأمن اللبنانيّة المحدودة، ما هو احتمال المساعدة الخارجيّة لمساعدته في إعادة الاستقرار؟» (ص. ٥٠). لكن جواب السفير خيّب آماله مرّة أخرى.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة الأميركيّة تخيّب فيه آمال الزعماء الموارنة (وحلفائهم) في طلب تدخّل عسكري أميركي، كان الرئيس الأميركي،

ريتشارد نيكسون، يعقد اجتماعاً لمجلس الأمن القومي لدراسة إمكانيّة القيام بتدخّل عسكري أميركي مباشر على غرار تدخّل ١٩٥٨ في لبنان (ص. ٥٠). وأخبره وزير دفاعه أن القوّات الأميركيّة جاهزة للقيام بمهمّة كهذه. لكن ستوكر يستنت أن الحكومة الأميركيّة تخلّت عن فكرة التدخّل إلّا في حالات يتعرّض فيها «المسيحيّون أو الأجانب» لأخطار أو لترحيل الأميركيّين. لكن حلو لم يتوقّف بالرغم من الإجابات الأميركيّة عن تكرار طلب المساعدة أو طلب التدخّل، لأن ذلك يقوّيه، ولو من باب «الخيار الأخير». وبناءً على إلحاح حلو، بدأت الحكومة الأميركيّة بالبحث في سيناريوهات تدخّل عسكري من نوع إرسال الأسطول السادس. وعلّق السفير الأميركي على موقف حلو بأنه كان يفكّر «كرئيس مسيحي» يسعى لحماية المسيحيّين.

وكانت الحكومة الأميركيّة تحثّ حلو على طلب قوّة تدخّل تابعة للأمم المتحدّة للحدّ من نشاط الفدائيّين، لكن حلو طالب أيضاً بقوّة تدخّل أميركيّة تمهّد لتدخّل الأمم المتحدة. وبحثت الحكومة الأميركيّة مع مدير «الأنروا» في إمكانيّة لعب المنظمّة «الإنسانيّة» دوراً أمنيّاً ضد الفدائيّين، لكن الاعتراض القوي من مقرّ الأمم المتحدة قضى على الفكرة الأميركيّة.
واجتمع كميل شمعون وبيار الجميّل في شهر نيسان مع السفير الأميركي ضمن الحملة المستمرّة في طلب المساعدة (لكن شمعون تحفّظ في اللقاء لعلمه من الجميّل برفض الطلب من قبل أميركا). لكن شمعون ذهب أبعد من ذلك، إذ اقترح على السفير الأميركي أن تقوم الحكومة الإسرائيليّة بتوجيه تحذير مباشر وعلني إلى لبنان حول نشاط الفدائيّين «لعلّ ذلك يؤثّر في المسلمين المتطرّفين الذين يطالبون بحريّة حركة مطلقة للفدائيّين».

وبعد اللقاء مع شمعون، التقى السفير الأميركي مع فؤاد شهاب وسأله رأيه في أن تقوم الحكومة الإسرائيليّة بتحذير لبنان لتخويف مؤيّدي العمل الفدائي فيه. وطلب شهاب مهلة ٢٤ ساعة للردّ، ثم أخبر السفير بأن التحذير الإسرائيلي هذا سيساعد (ص. ٥٣). لكن السفير الأميركي امتنع عن نقل الطلب اللبناني خوفاً من تأليب الرأي العام العربي ضد إسرائيل والحكومة الأميركيّة. ولم يكتفِ فؤاد شهاب بهذا، لا بل طلب أن تزيد قوّات الاحتلال الإسرائيلي من دوريّاتها على الحدود مع لبنان لمنع الفدائيّين من الحركة (سبق فؤاد شهاب جماعة ١٤ آذار في تقديم النصح للعدوّ الإسرائيلي في عدوانه). وعبّرت الحكومة الإسرائيليّة، من خلال سفارتها في واشنطن، عن «احترامها» لشهاب.

وفي هذا السياق، وبعد أن فقد شارل حلو الأمل في تدخّل عسكري أميركي لمصلحة النظام الطائفي الحاكم في لبنان، قرّر التفاوض مع الفدائيّين.

Long civil war of Lebanon was planned by the USA since 1967?

It started in April 1975 and ended without any reason in 1993.

The same militia leaders have been ruling Lebanon since then.

Lebanon was ordered by the US administration (Kissinger period) to be the security buffer zone to Israel from the Palestinian RESISTANCE FORCES.

Lebanon was incapable of playing that role and the US relied on the right-wing Christian political parties to initiate that civil war (Kataeb or Phalanges, Cham3oun party,  ketlat wataniyya of Raymond Edde, and Suleiman Frangieh)

And Lebanon had to suffer the dire consequences.  Syria of Hafez Assad was playing the middleman of satisfying the US demands and planning to reap the price for the control of most of Lebanon.

Syria did end up controlling Lebanon from 1993 to 2005. Most of the current leaders were stooges to Syria, except Michel Aoun (exiled to France) and Samir Geagea (in prison)

Israel controlled South Lebanon from 1982 to 2000: It withdrew without any preconditions after suffering sustained resistance.

Same things happening to Syria.

Nada Fakih shared this link. September 10 at 7:23am ·

Al Akhbar Arabic 

ما يكتشفه المرء من هذه الوثائق الأميركيّة الرسميّة حميميّة العلاقة بين حزب الكتائب اللبنانيّة والحكومة الأميركيّة (أي إن مقولة أن حزب الكتائب اضطرّ مرغماً إلى الاستعانة بـ»الشيطان»، أي إسرائيل، في سنوات الحرب الأهليّة لأنه كان معزولاً، ما هي إلا واحدة من أكاذيب الحزب الذي كان يتنعّم مبكراً بدعم خليجي وأردني وأميركي، حتى لا نتكلّم عن دعم غربي آخر لا وثائق عنه إلى الآن).

See More

اليمين اللبناني سعى إلى التسلّح بكامل إرادته لا «مُكرهاً» (أ ف ب) يكشف كتاب صدر…
al-akhbar.com

أسعد أبو خليل

كذلك إن أحزاب الكتائب والأحرار والكتلة الوطنيّة، أو بالأحرى إن شخص كميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إدّة (الذي افترق عن حلفائه في مطلع الحرب والذي لا يبرز في الوثائق كما يبرز شمعون والجميّل، لكن الأخيرين ينطقان في اللقاءات مع الأميركيّين باسم «الحلف الثلاثي» آنذاك) كانوا مشاركين فعليّاً في الحكم في عهد شارل الحلو وسليمان فرنجيّة. يبدو أن زعماء الموارنة تكتّلوا في قيادة جماعيّة عندما بدأ نظام الهيمنة الطائفي الذي زرعه الاستعمار الفرنسي، ورعاه الغرب في ما بعد، يتعرّض للاهتزاز والتهديد المباشر.
وقد ضغط الأحرار والكتائب والكتلة الوطنيّة على شارل حلو لعدم الرضوخ للمزاج الشعبي والرسمي العربي بقطع العلاقة مع دول الغرب بعد حرب ١٩٦٧.

والحلف الثلاثي (الذي فاز بنجاح باهر في انتخابات ١٩٦٨ ــ ومن المُرجّح بقوّة ــ بناءً على العلاقة التي جمعت أحزابه مع حكومات الغرب، أنه تلقّى معونات أميركيّة مباشرة في الحملات الانتخابيّة، لكن الوثائق لم تظهر بعد في ذلك) لم ينتظر إلى نهاية شهر حزيران كي يصدر بياناً يطالب فيه بـ»تدويل لبنان» والحصول على ضمان خارجي لحياده (كأن لبنان كان مُشاركاً في حرب حزيران ــ راجع كتاب جيمس ستوكر، «ميادين التدخّل: السياسة الخارجيّة الأميركيّة وانهيار لبنان، ١٩٦٧-١٩٧٦»، عن دار نشر جامعة كورنيل، ص. ٣٢). لا بل إن الجميّل أصرّ على حلو أن يعود السفير الأميركي على عجل بعد مغادرته ردّاً على إجماع عربي (ولبناني شعبي). وعرض على الأميركيّين نشر قوّات ميليشيا الكتائب لحماية أمن السفارة الأميركيّة. إن قراءة التقارير من تلك الفترة يؤكّد بصورة قاطعة أن الميثاق الوطني المزعوم لم يكن إلا كذبة انطلت على الزعماء المسلمين في لبنان، وكانت بنودها سارية فقط على فريق واحد، في رفض التحالف أو الاندماج مع المحيط العربي، فيما كان كل رؤساء الجمهوريّة الذين تعاقبوا بعد الاستقلال ــ بالتحالف مع الزعماء الموارنة ــ متحالفين سرّاً وبقوّة مع الدول الغربيّة، مُطالبين على الدوام بتدخّل عسكري أميركي أو فرنسي أو حتّى إسرائيلي في صالحهم. لقد خالف الزعماء الموارنة كل بنود «الميثاق الوطني» فيما كانوا يعظون الغير بجدوى «الميثاق» فقط كي يعزلوا لبنان عن محيطه العربي (ولم يكن المحيط العربي خاضعاً لمشيئة حكّام الخليج آنذاك).
ويرد في الوثائق أن حزب «الأحرار» و»الكتائب» ألحّاً في شهر حزيران وتمّوز من عام ١٩٦٧ على السفارة الأميركيّة للحصول على السلاح والمعونات الماليّة. وكتب السفير الأميركي إلى حكومته في هذا الصدد أنه ــ وإن لم يوصِ بتلبية الطلبات الواردة ــ يوصي بأن تُبلَّغ «اللجان المعنيّة» في الإدارة الأميركيّة بالطلبات في حال تغيُّر توصيته في هذا الشأن. وفي حزيران من عام ١٩٦٧، طلب شمعون رسميّاً من الحكومة الأميركيّة تسليحاً ومساعدات ماليّة باسمه وباسم بيار الجميّل وريمون إدّه، وذلك للتصدّي لنفوذ كمال جنبلاط «والمتطرّفين المسلمين». حتى شيخ العقل اليزبكي، رشيد حمادة (كان للدروز شيخا عقل يومها، والوثيقة الأميركيّة وستوكر أشارا إلى حمادة فقط كـ»زعيم درزي») طلب سلاحاً ومالاً من السفارة الأميركيّة في بيروت في ذلك الشهر. وكأن الردّ على هزيمة ١٩٦٧ كان عند كل هؤلاء في تعزيز الحضور الميليشاوي لأعداء المقاومة الفلسطينيّة واليسار في لبنان (وحلفاء العدوّ الإسرائيلي كما سيتضح بعد قليل). ولم ينسَ حمادة هذا، المتحالف مع شمعون (والذي ذكّر بتحالفه مع «الحلف الثلاثي») أن يحذّر السفارة الأميركيّة من عواقب تجهيز الاتحاد السوفياتي لميليشيا كمال جنبلاط. والنائب اللبناني في حينه، أندريه طابوريان، التقى بالديبلوماسي الأميركي تالكوت سيلي في واشنطن، أثناء زيارة الأوّل للولايات المتحدة كي يطلب هو الآخر السلاح من أميركا (لم يتضمّن كتاب ستوكر طلب طابوريان هذا، لكنه نشر الوثيقة على صفحته). وورد في الوثيقة أن طابوريان أكّد أن السلاح لن يُستعمل إلّا ضد «المتطرّفين» وأنه سيردع «التحرّك الشيوعي المعادي» (ص. ١ من الوثيقة التي نشرها ستوكر). (وطابوريان هو الوحيد الذي ذكر في لقائه مع الأميركيّين إسرائيل بالسلب، وأشار إلى اقتناع فريق من اللبنانيّين بخطورة المطامع الإسرائيليّة في لبنان).

أما العماد إميل بستاني، قائد الجيش، فقد التقى بالقائم بالأعمال الأميركي ــ بطلب من شارل حلو ــ وسأله عن إمكانيّة مساعدة الحكومة الأميركيّة للجيش اللبناني في السيطرة على «معارضة من قبل عناصر إسلاميّة في لبنان» أو للحدّ من جهود «عناصر شيوعيّة خارج لبنان» للقيام بأعمال «ضد مصالح أميركا أو ضد إسرائيل» (ص. ٣٣). وحذّر بستاني من أن الحكومة يمكن أن تنساق وراء دعوات عربيّة لمقاطعة أميركا وبريطانيا من دون «ضمانة أميركيّة واضحة». وفهم القائم بالأعمال أن طلب المساعدة يشمل طلب مساعدة عسكريّة. وعندما صدرت قرارات عن مجلس الوزراء اللبناني لمقاطعة شركات أميركيّة (مثل «كوكا كولا» و»فورد» و «أر.سي.إي») أكّد شارل حلو للقائم بالأعمال الأميركي أن القرارات لن تنفَّذ أو ستنفَّذ ببطء شديد. واللافت أن الحكومة الأميركيّة لاحظت أن الموقف الإسرائيلي من لبنان لا يتعلّق فقط بوجود الفدائيّين على أرضه، واليسار اللبناني، بل إن هناك أطماعاً إسرائيليّة في لبنان. وبالرغم من أن لبنان لم يشارك في الحرب بأي صورة من الصور، فإن الحكومة الإسرائيليّة أرهبت لبنان عبر اعتبار اتفاق الهدنة مُلغىً، كذلك لمّح رئيس الحكومة الإسرائيلي في شهر أيلول إلى أطماع إسرائيل في نهر الليطاني.
وعندما قصفت إسرائيل حولا في أيّار ١٩٦٨، حاولت الحكومة الأميركيّة إفهام حليفتها بأن قدرة الحكومة اللبنانيّة على «محاربة الإرهاب» الفلسطيني وعلى الحفاظ على انحياز الحكومة نحو الغرب تضعف. وإلحاح الميليشيات اليمينيّة ذات القيادة المارونيّة في طلب التسلّح لم يتوقّف. ففي أكتوبر من عام ١٩٦٨ أبلغ قيادي كتائبي القائم بالأعمال الأميركي أن الحزب قد يتقدّم بطلب تسلّح لميليشيا الكتائب، وأن للحزب قدرة قتاليّة بعدد ٥٠٠٠ رجل وقوّة كوماندوس بعدد يراوح بين ٥٠ و٧٠ (ص.٣٧). وأكّد القائد الكتائبي ان للحزب ما يكفيه من السلاح الخفيف، لكنه يحتاج إلى «توحيد معايير التسلّح» وإلى سلاح ثقيل. لكن التقرير أوضح أن الحكومة الأميركيّة لن تلبّي الطلب الكتائبي. حتى النائب الشمعوني، فضل الله تلحوق، طالب الحكومة الأميركيّة بسلاح لمواجهة جنبلاط. (كان هذا في زمن كان فيه الشيوعيّون اللبنانيّون يصرّون فيه على «النضال البرلماني» الصرف).
أما الاعتداء الإسرائيلي على مطار بيروت في ديسمبر عام ١٩٦٨ الذي كان فيه إسكندر غانم قائد منطقة بيروت، وقد تلقّى تحذيرات قبل الاعتداء من أجل حماية المنشآت المدنيّة بما فيها المطار (وغانم هذا كان هو الرجل نفسه الذي لامه صائب سلام على تخاذله في اعتداء نيسان ١٩٧٣ ــ عندما كان قائداً للجيش ــ واغتيال قادة المقاومة في فردان، ما أدّى إلى استقالة سلام بسبب رفض سليمان فرنجيّة صرفه من قيادة الجيش، أو محاسبته على أقلّ تقدير) فقد زاد من قلق الحكومة الأميركيّة على استقرار النظام اللبناني الحليف. لكن الحكومة الأميركيّة حوّلت الاعتداء الإسرائيلي الإرهابي على لبنان إلى مناسبة لتشجيع التفاوض وتبادل الرسائل بين الحكومة اللبنانيّة والحكومة الإسرائيليّة. ووجّه ليفي أشكول رسالة إلى الحكومة اللبنانيّة نوّه فيها بالسلوك «التعاوني» (ص. ٤١) للحكومة اللبنانيّة (مع العدوّ) على مدى عشرين عاماً، لكنه حذّر من مغبّة من أي اعتداء من لبنان على إسرائيل. وكان شارل حلو، من دون علم رئيس حكومته ومجلس النوّاب، يسعى إلى تدخّل غربي أو نشر قوّات من الأمم المتحدة في الجنوب اللبناني لحماية حدود الكيان الصهيوني من العمليّات الفدائيّة (لكن إسرائيل هي التي رفضت الفكرة التي كان ريمون إدّة من دعاتها العلنيّين).

لكن النيات التخريبيّة والفتنويّة للفريق اليميني تبدّت في أوائل عام ١٩٦٩، عندما طلب كميل شمعون مساعدة عسكريّة أميركيّة (لحزبَي الكتائب والأحرار) من أجل إسقاط حكومة رشيد كرامي عبر الإضرابات والتظاهرات (لكن طلب السلاح يتعدّى فعل التظاهرات، وقد رفض الديبلوماسي الأميركي طلب شمعون هذا ــ حسب الوثيقة). وتقدمّ حزب الكتائب بطلب مماثل في نفس الشهر. وقد طلب شارل حلو من السفير الأميركي ثني الكتائب والأحرار عن خططهم وأنها يمكن أن تؤدّي إلى معركة قد يخسرونها وقد تطيح أيضاً «التوازن الطائفي» في البلد. وحسب ما ورد في تلك الوثائق، فإن موقف رشيد كرامي آنذاك لم يعارض الطلب من الدول الخليجيّة (عبر راعيتها الأميركيّة) التأثير في الفدائيّين لوقف نشاطهم من لبنان، وإن كان يخشى إعلان ذلك. (ص. ٥٦).
وفي شهر حزيران 1969 طالب الجميّل وشمعون (مرّة جديدة) السفير الأميركي بتسليح لميليشياتهم، كذلك تقدّم شمعون بطلب رسمي من نائب رئيس البعثة الأميركيّة بسلاح خفيف لـ «حماية المسيحيّين». وفي لقاء في السفارة، أدان الجميّل تخلّي الحكومة الأميركيّة عن أصدقائها في لبنان، فيما حذّر فضل الله تلحوق (الذي قدم طلباً هو الآخر للتسلّح) من أخطار تتهدّد لبنان بسبب عدم تلبية طلبيات التسلّح. لكن موقف السفير الأميركي، وفق المداولات في داخل الإدارة الأميركيّة، بدأ بالتغيّر لمصلحة تسليح «المسيحيّين». لكن المسؤول الأميركي تالكوت سيلي (عمل في ما بعد سفيراً في دمشق وبادر للاتصال بمنظمّة التحرير الفلسطينيّة في السبعينيات، مخالفاً تعليمات كيسنجر) رفض فكرة السفير وحثّ على إقناع الزعماء الموارنة بانتهاج الاعتدال والتعايش مع المسلمين.
لكن شارل حلو كان يتواصل سرّاً مع الإسرائيليّين، كما أخبر أبا إيبان الحكومة الأميركيّة في شهر أيلول. وفي رسالة سريّة ومباشرة وجّهها الرئيس اللبناني إلى إسرائيل، قال لهم إنه «يتفهّم المشكلة التي يُشكّلها الفدائيّون ضد إسرائيل، لكن الحكومة لا تستطيع أن توقف التسلّل كليّاً»
(ص. ٥٨). وعندما وصل الجواب الإسرائيلي إلى حلو، ومفاده أن الحكومة الإسرائيليّة ستتخذ «الإجراءات الدنيا لحماية مواطنيها»، وصفه بأنه «يُظهر تطوّراً إيجابيّاً في الموقف الإسرائيلي». وقد أخبرت الحكومة الإسرائيليّة الحكومة الأميركيّة أن «لبنانيّين مرموقين» كانوا يتواصلون معها سرّاً وأنهم «يرحّبون باعتداءات إسرائيليّة على قواعد الفدائيّين بين الحين والآخر».
لكن الموقف الأميركي تغيّر بحلول شهر أكتوبر من عام ١٩٦٩، حين عقدت «مجموعة العمليّات الخاصّة في واشنطن»، وهي لجنة حكوميّة تجتمع للتعامل مع الأزمات، اجتماعاً خاصّاً للتباحث في شأن التدخّل في لبنان. وتركّز البحث على المفاضلة بين تسليح الجيش اللبناني وتسليح «الميليشيات المسيحيّة». ووافق كل المجتمعين على وضع خطة تكون موضع التنفيذ لتسليح الميليشيات اليمينيّة، لكن لم يكن واضحاً الظروف التي يمكن فيها مباشرة عمليّة التسليح. وزارة الخارجيّة رأت أن سقوط الحكم في لبنان يمكن أن يكون الحافز للتسليح. أما ممثّل وكالة المخابرات الأميركيّة، فاقترح تسليح الميليشيات عبر شركة أميركيّة خاصّة (مثل «إنترأرمكو») لمدّ الميليشيات بالسلاح، على أن تتكفّل الحكومة الأميركيّة بالنفقات. وبُحث في أمر التسليح عبر عمليّات إسقاط من الجوّ (ص. ٦٣). وعندما تساءل مسؤول أميركي عن سبب عدم المباشرة بتسليح الكتائب على الفور، أجابه كيسنجر بأن تسليح الجيش اللبناني مماثل لتسليح الكتائب، لأن الجيش واقع تحت «سيطرة ضبّاط متعاطفين مع الكتائب». لا نعرف حسب الوثائق ماذا حصل بعد هذا الاجتماع، لكن الاستنتاج بمباشرة التسليح يكون منطقيّاً، خصوصاً أن كيسنجر أخبر نيكسون بأنه بالإضافة إلى التسليح، فإن الحكومة الأميركيّة ستقوم أيضاً بـ»عمليّات سريّة». لكن وزارة الدفاع حذّرت من أن تسليح الكتائب سيؤدّي إلى صراع طائفي. ومن الأكيد أن الحكومة الأميركيّة قامت بتحريك أساطيلها في البحر على بعد ٤٥٠ ميلاً من لبنان لدعم النظام اللبناني. وفضّل كيسنجر تدخّلاً إسرائيليّاً على التدخّل الأميركي المباشر في لبنان.

وفي موازاة المفاوضات التي أدّت إلى اتفاقيّة القاهرة، قامت الحكومة الأميركيّة بالاستعانة بتاجر السلاح الأميركي ــ اللبناني المعروف، سركيس سوغانليان (الذي لعب دوراً كبيراً في تسليح الميليشيات اليمينيّة في سنوات الحرب في ما بعد، ولنا عودة إليه) لإمداد قوى الأمن الداخلي بوسائل عسكريّة «للسيطرة على المخيّمات وعلى التظاهرات» (ص. ٧١). ورأت السفارة الأميركيّة في تسليح قوى الأمن والجيش أنه لا يختلف عن تسليح الميليشيات، وأكدت قيادة الجيش اللبناني أنها ستتولّى هي تسليح الميليشيات وتجهيزها عندما يحين الوقت. وكان ممثّلون عن الجميّل وشمعون وإدّة وسليمان فرنجيّة يسعون إلى التسلّح في لبنان، أو في خارجه. (قدّمت الميليشيات طلبات تسلّح من الحكومة الفرنسيّة أيضاً).
ومن العمليّات السريّة التي اتفقت عليها الحكومتان الأميركيّة واللبنانيّة (عبر لقاء بين ميشال خوري والسفير الأميركي) محاولة «إحداث الشقاق» (ص. ٧٣) بين الفدائيّين والأهالي في جنوب لبنان. وقدّم ميشال خوري في كانون الثاني ١٩٧٠ طلباً رسميّاً من أميركا في هذا الشأن، عبر تقديم مساعدات ماليّة سريّة لـ»مؤسّسات دينيّة وسياسيّة» في جنوب لبنان، أو عبر الحصول على مساعدات من شاه إيران بوساطة أميركيّة. لكننا لا نعرف طبيعة تلك العمليّات السريّة لإشعال الفتنة بين الأهالي والفدائيّين (قد يكون قصف العدوّ للقرى من نتاج تلك العمليّات).
وعندما صعّد العدوّ الإسرائيلي من غاراته على لبنان في الأشهر الثلاثة الأولى من عام ١٩٧٠، لم تتوقّف الاتصالات الرسميّة المباشرة بين الحكومة اللبنانيّة وحكومة العدوّ. ونقل «مطران مقيم في القدس من أصل لبناني» (لم يرد اسمه في الوثائق)، وكان يلعب دور الرسول بين حكومة العدوّ ورئيس الجمهوريّة اللبنانيّة تهديداً من موشي دايان بتحويل لبنان إلى صحراء. لكن شارل حلو ردّ على التهديد المباشر بالودّ والاحترام لإسرائيل (وقال إنه كان متحفّظاً في ودّه خشية تسرّب مضمون الرسالة التي بعثها إلى دايان.) وفي رسالته، أوضح حلو أن لبنان يلعب في الماضي والحاضر دور «شرطي إسرائيل»، مع أنه لا يستطيع أن يعترف بذلك. وأضاف حلو أن تدمير لبنان سيكون بمثابة تدمير إدارة شرطة حيفا. وزاد حلو عاملاً طائفيّاً يحمل تعاطفاً مع الصهيونيّة، إذ قال «إنه ليست في مصلحة إسرائيل تدمير الدولة الديموقراطيّة غير الإسلاميّة الوحيدة وذات التنوّع الديني في المنطقة. وإن اللبنانيّين بالرغم من مشاكل تعتري تفهّمهم، فإنهم على الأقل يفهمون مشاكل إسرائيل، وأن هذا قد يشكّل رصيداً قيّماً لإسرائيل عندما تقرّر أن تندمج ــ وليس فقط أن تكون في ــ الشرق الأوسط».

(يتبع السبت المقبل)

 في أزمة نيسان 1969، هنأت الحكومة الأميركيّة رئيس الجمهورية شارل حلو على استعمال القوّة لقمع المتظاهرين. وزاد شارل حلو من رغبته في طلب تدخّل عسكري أميركي (أو «آخر»)، لكن السفير الأميركي أبلغ ميشال خوري، مبعوث حلو الشخصي، أن عليهم ألّا يتوقّعوا تدخّلاً عسكريّاً أميركيّاً في لبنان (ليس مباشراً، على الأقل). عندها، أجابه خوري بأنهم تلقّوا نفس الجواب من فرنسا، ما يوحي أن حلو كان قد طلب تدخلاً عسكريّاً فرنسيّاً ضد الفدائيّين واليسار في لبنان. لكن حلو لم يكتفِ بالأجوبة الفرنسيّة والأميركيّة، إذ هو أرسل في سؤال عاجل إلى السفير الأميركي سائلاً: «في حالة القلاقل المدنيّة التي قد تكون فوق طاقة قدرات قوى الأمن اللبنانيّة المحدودة، ما هو احتمال المساعدة الخارجيّة لمساعدته في إعادة الاستقرار؟» (ص. ٥٠). لكن جواب السفير خيّب آماله مرّة أخرى.
وفي الوقت الذي كانت فيه الحكومة الأميركيّة تخيّب فيه آمال الزعماء الموارنة (وحلفائهم) في طلب تدخّل عسكري أميركي، كان الرئيس الأميركي، ريتشارد نيكسون، يعقد اجتماعاً لمجلس الأمن القومي لدراسة إمكانيّة القيام بتدخّل عسكري أميركي مباشر على غرار تدخّل ١٩٥٨ في لبنان (ص. ٥٠). وأخبره وزير دفاعه أن القوّات الأميركيّة جاهزة للقيام بمهمّة كهذه. لكن ستوكر يستنتج أن الحكومة الأميركيّة تخلّت عن فكرة التدخّل إلّا في حالات يتعرّض فيها «المسيحيّون أو الأجانب» لأخطار أو لترحيل الأميركيّين. لكن حلو لم يتوقّف بالرغم من الإجابات الأميركيّة عن تكرار طلب المساعدة أو طلب التدخّل، لأن ذلك يقوّيه، ولو من باب «الخيار الأخير». وبناءً على إلحاح حلو، بدأت الحكومة الأميركيّة بالبحث في سيناريوهات تدخّل عسكري من نوع إرسال الأسطول السادس. وعلّق السفير الأميركي على موقف حلو بأنه كان يفكّر «كرئيس مسيحي» يسعى لحماية المسيحيّين. وكانت الحكومة الأميركيّة تحثّ حلو على طلب قوّة تدخّل تابعة للأمم المتحدّة للحدّ من نشاط الفدائيّين، لكن حلو طالب أيضاً بقوّة تدخّل أميركيّة تمهّد لتدخّل الأمم المتحدة. وبحثت الحكومة الأميركيّة مع مدير «الأنروا» في إمكانيّة لعب المنظمّة «الإنسانيّة» دوراً أمنيّاً ضد الفدائيّين، لكن الاعتراض القوي من مقرّ الأمم المتحدة قضى على الفكرة الأميركيّة.
واجتمع كميل شمعون وبيار الجميّل في شهر نيسان مع السفير الأميركي ضمن الحملة المستمرّة في طلب المساعدة (لكن شمعون تحفّظ في اللقاء لعلمه من الجميّل برفض الطلب من قبل أميركا). لكن شمعون ذهب أبعد من ذلك، إذ اقترح على السفير الأميركي أن تقوم الحكومة الإسرائيليّة بتوجيه تحذير مباشر وعلني إلى لبنان حول نشاط الفدائيّين «لعلّ ذلك يؤثّر في المسلمين المتطرّفين الذين يطالبون بحريّة حركة مطلقة للفدائيّين». وبعد اللقاء مع شمعون، التقى السفير الأميركي مع فؤاد شهاب وسأله رأيه في أن تقوم الحكومة الإسرائيليّة بتحذير لبنان لتخويف مؤيّدي العمل الفدائي فيه. وطلب شهاب مهلة ٢٤ ساعة للردّ، ثم أخبر السفير بأن التحذير الإسرائيلي هذا سيساعد (ص. ٥٣). لكن السفير الأميركي امتنع عن نقل الطلب اللبناني خوفاً من تأليب الرأي العام العربي ضد إسرائيل والحكومة الأميركيّة. ولم يكتفِ فؤاد شهاب بهذا، لا بل طلب أن تزيد قوّات الاحتلال الإسرائيلي من دوريّاتها على الحدود مع لبنان لمنع الفدائيّين من الحركة (سبق فؤاد شهاب جماعة ١٤ آذار في تقديم النصح للعدوّ الإسرائيلي في عدوانه). وعبّرت الحكومة الإسرائيليّة، من خلال سفارتها في واشنطن، عن «احترامها» لشهاب. وفي هذا السياق، وبعد أن فقد شارل حلو الأمل في تدخّل عسكري أميركي لمصلحة النظام الطائفي الحاكم في لبنان، قرّر التفاوض مع الفدائيّين.

Shifting political climate, political culture: Supporting your existential enemy?

In 1983, Lebanon sat with  the Israeli to sign a document for a peace agreement: It eventually failed

مناخ ١٧ أيّار ١٩٨٣: عندما جاهر لبنان بصداقته مع العدوّ الإسرائيلي

في ذكرى كسر شوكة العدوّ في مواجهة عدوان تمّوز، تعود الذكرى إلى جانب آخر من الثقافة السياسيّة في لبنان (هيثم الموسوي)
أسعد أبو خليل

عالم السياسة الأميركي هاري اكشتاين، كتب في موضوع الثقافة السياسيّة وعلاقتها بالتغيير السياسي (راجع مقالة اكشتاين وهربرت ورلن، «الثقافة السياسيّة والتغيير السياسي»، «مجلة العلوم السياسيّة الأميركيّة»، آذار ١٩٩٠)، وآمن برسوخ القيم التي يتلقّاها المرء في السنوات الأولى (معتمداً في نظريّته على مفهوم لفرويد بات غير موثوق به علميّاً).

إنّ التلقين السياسي الأوّلي ليس ثابتاً وما كتبه اكشتاين عن مرونة التغيير في المجتمعات المتقدّمة لم يعد معتمداً إذ إنّ تغييرات هائلة حدثت في الثقافة السياسيّة في أفريقيا وأميركا اللاتينيّة وفي الشرق الأوسط. إنّ نظرة خاطفة على العالم العربي، وعلى الهويّة السياسيّة في مصر أو على مفهوم الوطن وحدوده في لبنان أو على استطلاعات الرأي للشعب الفلسطيني يكشف مدى سرعة التغيير في غضون عقود معدودة، والثقافة السياسيّة الفرنسيّة تحت الاحتلال النازي كانت غير ما أصبحت عليه بعد هزيمة الألمان.
في ذكرى كسر شوكة العدوّ في مواجهة عدوان تمّوز، تعود الذكرى إلى جانب آخر (لم يتوقّف أو ينتهِ) من الثقافة السياسيّة في لبنان. هذا الجانب من تاريخ لبنان المعاصر واكب صعود الحركة الصهيونيّة ورافق إنشاء الكيان الغاصب. لم يكن التحالف بين البعض في لبنان مع العدوّ الإسرائيلي سرّاً من الأسرار: إميل إدّة الذي تحالف مع العدوّ وناصره كان المنافس الأكبر في ثنائيّة الزعامة المارونيّة في لبنان لعقود ما قبل الاستقلال. والمطران اغناطيوس مبارك لم يكن هامشيّاً في الكنيسة، كما ان توقيع المعاهدة السريّة بين البطريركيّة المارونيّة والحركة الصهيونيّة في عام ١٩٤٦ تم باسم أكبر كنيسة في لبنان (والمشرق). حتى ميشال شيحا التقى بمسؤولين إسرائيليّين في باريس في عام ١٩٤٩، ونفى في اللقاء ان يكون معادياً لإسرائيل أو للساميّة (تولّد الانطباع عنه في لقاءات سابقة مع إسرائيليّين). وعبّر شيحا عن أمله في أن تصبح إسرائيل وريثة فرنسا في حماية لبنان (راجع مقالة إيال زسر، «الموارنة ولبنان ودولة إسرائيل: الاتصالات المبكرة»، مجلة «ميدل إيسرتن ستديز»، مجلّد ٣١، عدد ٣، أكتوبر ١٩٩٥).
كي تفهم (أو تفهمي) ظروف تمرير اتفاقيّة ١٧ أيّار عليك أن تفهم سياق الحرب الأهليّة في السنة التي سبقت الاجتياح الإسرائيلي في عام ١٩٨٢. الاجتياح تحضّر قبل أكثر من سنة من حدوثه. الثقافة السياسيّة السائدة في لبنان كان تعمل على إيقاع العدوّ الإسرائيلي: بيروت الغربيّة كانت تشهد حملة قويّة من وكلاء آل سعود في لبنان ضد الحركة الوطنيّة اللبنانيّة والمقاومة الفلسطينيّة، فيما كانت القيادات الشيعيّة التقليديّة وحركة «أمل» (ومحمد مهدي شمس الدين وعبد الأمير قبلان) يشنّون حملة جائرة ومُغرضة ضد ما أسموه بسعي منظمّة التحرير لـ«التوطين في لبنان». كما ان زعران الأحياء، مثل أبو عريضة في صيدا، كانوا (بإيعاز من المخابرات الاسرائيليّة أو مخابرات جوني عبده —لا فرق) يفتعلون الاشتباكات والنزاعات والحرائق. كان هناك تمهيد مُخطّط للترحيب بالاجتياح. وحجم الدعاية العدوّ في جنوب لبنان كان هائلاً، وكان دور «صوت لبنان» (والإعلام الكتائبي كان يعمل بإشراف إسرائيلي كما كشف التحقيق مع توفيق الهندي) لا يُستهان به.
كان الجميّل، عالماً بقرار إسرائيل باجتياح لبنان وعوّل عليه كي يصل إلى الرئاسة. وكان الياس سركيس قد سلّم معظم السلطة المتبقيّة للدولة إلى بشير الجميّل بحلول ١٩٨٠. وكان وليد جنبلاط يتحضّر للمرحلة عبر مفاوضات سريّة مع القوّات اللبنانيّة، وكان يذمّ الفلسطينيّين فيها، كما روى بولس نعمان. وأصبح تلفزيون لبنان آنذاك مطواعاً لبشير بعد أن وضع شارل رزق (هل لا يزال موعوداً بالرئاسة من قبل آل الحريري؟) في صندوق سيّارة وأفهمه أنه الآمر والناهي. واستدعى الجميّل الراحل عرفات حجازي ليبشّر الشعب اللبناني بـ«القرار» —الذي لم يفصح عنه- وأرسل عبره شتائم نابية وبذيئة إلى رئيس الحكومة آنذاك، شفيق الوزّان (كما أخبرني حجازي).

وما إن أطلّ الاجتياح المشؤوم وما إن تسلّمت ميلشيات اليمين المتحالفة مع العدوّ الإسرائيلي السلطة، حتى تغيّر الكثير من معالم الثقافة السياسيّة في لبنان. وياسر عرفات عرف كيف يحفظ معنويّات مقاتليه وكيف يحفّزهم أثناء حصار بيروت، فيما أعلن وليد جنبلاط أن الحركة الوطنيّة لم تعد موجودة بمجرّد أن وصلت الكتائب إلى السلطة، لا بل إن جنبلاط طمأن من يريد الاطمئنان أن «لا تفكير في أي شكل من أشكال التحالف في الوقت الحاضر» كإطار بديل عن الحركة الوطنيّة («النهار»، ٦ تشرين الثاني، ١٩٨٢). إن دور التعبئة من قبل القادة —حتى لو كانوا من طينة جنبلاط— يلعب دوراً محورياً في حفظ المعنويّات وفي تثبيط الهمم: حدث فراغ في المناطق التي كانت تخضع لنفوذ المقاومة الفلسطينيّة واللبنانيّة، وانقسمت حركة أمل بين القيادة في بيروت (والتي كانت معادية للاحتلال الإسرائيلي) وبين بعض مسؤوليها المحليين في الجنوب الذين لم ينتفضوا بوجه الاحتلال. وحلّ الحركة الوطنيّة ترك كل مقاتلي ومناضلي الأحزاب عرضة للتنكيل من العدوّ الإسرائيلي وأعوانه في السلطة اللبنانيّة، خصوصاً في الجيش اللبناني. أما جورج حاوي فنادى بنزع السلاح الفلسطيني كي لا «يُوفّر ذريعة لتبرير الاحتلال الإسرائيلي» («النهار»، ١٨ تشرين الثاني، ١٩٨٢)، فيما طالب محسن إبراهيم بالتريّث قبل الحكم على سلطة أمين الجميّل.
وتسابقت قيادات سياسيّة ولبنانيّة لدعم الاجتياح الإسرائيلي بطرق شتّى. أبو اياد اتهم صائب سلام بمحاولة «تجيير العدوان الصهيوني» («النهار»، ٨ تمّوز، ١٩٨٢). وخرج أعوان إسرائيل في لبنان من جحورهم للهتاف للمحتلّ، ونُظِّمت مسيرات شعبيّة» (بحسب جريدة «النهار» في ٧ أيلول، ١٩٨٢) في المناطق الشرقيّة والبقاع الغربي وعاليه والشوف وجبيل لتنظيم «لقاء شكر وفرح لمناسبة بدء ترحيل الفلسطينيّين عن لبنان»، وألقى النائب (عن كتلة كامل الأسعد)، حميد دكروب كلمة «ترحيبية»، كما الشيخ فريد حمادة وسليم زرازير وطوني مفرّج (الإعلامي) وليلى سعادة وجوزيف توتنجي (صهر بشير) وخليل أسطة والشيخ غسّان اللقيس (مفتي جبيل) وغيث خوري. ومحمد مهدي شمس الدين انتقد زيارات قادة المقاومة الفلسطينيّة إلى البقاع والشمال («النهار»، ١١ أيلول، ١٩٨٢)، بدلاً من دعم فكرة مقاومة الاحتلال (وهو أفتى فيما بعد بجواز «المقاومة المدنيّة» —أي وسيلة قرع الطناجر الاحتجاجيّة، على طريقة النضال الديبلوماسي الذي انتهجه فؤاد السنيورة في تحرير مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وقرية الغجر). وبلغ الجنون حدّه في تلك الحقبة ان كميل شمعون وضع برنامجاً لحل مشكلة الشرق الأوسط ضمّنه الحفاظ على نسبة عدد السكّان من عرب وإسرائيليّين إلى معادلة الثلث إلى ثلثيْن، كي يتسنّى للصهاينة الحفاظ على الدولة اليهوديّة («صوت الأحرار»، ١ آب، ١٩٨٢).
وعمل النظام السعودي، من خلال صائب سلام، على الترويج لبشير الجميّل ومشروعه بين المسلمين (لكن المناطق ذات الأغلبيّة السنيّة كانت بصورة عامة أقلّ استعداداً للتقبّل من المناطق ذات الأغلبية الشيعيّة، حيث راجت فيها مفاهيم العنصريّة الكتائبيّة المقيتة ضد الفلسطينيّين، وسارت تظاهرة في صور أثناء حرب المخيّمات بقيادة داوود داوود هتفت فيها الحشود: «لا إله إلّا الله، والفلسطيني عدوّ الله» (راجع «النهار»، ٢٩ أيّار، ١٩٨٥). صحيح أن وفداً من البسطة زار بكفيا للتعزية ببشير الجميّل، لكن قائد الوفد فاروق شهاب الدين، اختطف من منزله فيما بعد وقُتل. وكانت عليا الصلح من الأصوات القليلة المُجاهرة بدعم بشير الجميّل ومشروعه بين السنّة وقالت: «إن الآمال التي عقدتُها على الرئيس الشهيد الشيخ بشير الجميّل باقية مع الرئيس الشيخ أمين الجميّل» («العمل»، ١٧ أيّار، ١٩٨٣). وشذّ فاروق المقدّم، قائد ميليشيا ٢٤ تشرين عن الإجماع ضد بشير الجميّل في طرابلس وزار قبر الأخير بعد اغتياله ودعم حكم أمين الجميّل (فاجأ فاروق المقدّم الكثيرين بعد اجتياح ١٩٨٢ عندما تحوّل رافع شعارات اليسار الفلسطيني المتطرّف في ١٩٦٩ إلى مؤيّد لحزب الكتائب اللبنانيّة، وتعرّض منزله لاعتداء مما دفعه إلى الانتقال إلى المنطقة الشرقيّة في بيروت التي أوت مسلمين اعتنقوا أفكار الميلشيات اليمينيّة).
وأطلّ بشير الجميّل من خلال مجلّة «النهار العربي والدولي» في حلقتيْن (٩ و١٥ آب) للحديث عن مشروعه —أو مشروع راعيه الإسرائيلي. وفي هذه المقابلة حيث تجمّع كل كتاب المجلّة للترحيب بالجميّل، اعترض الشاعر طلال حيدر على قول «نحن المسيحيّين» في خطاب الجميّل واقترح بدلاً منها «نحن اللبنانيّين» لأن القوّات اللبنانيّة تضم مقاتلين شيعة، حسب زعم حيدر. أما نهاد المشنوق فقال لبشير: «أنا كمواطن لبناني يهمّني الاقتناع بثورتك، بأفكارك، وأن أسير معك لأساعدك، لأنك لا تستطيع ان تكون وحدك» — وقال المشنوق كلامه فيما كانت القوّات اللبنانيّة تحكم الحصار على بيروت الغربيّة وتمنع عن سكّانه ربطات الخبز، فيما كانت راجمات العدوّ تدكّ البيوت السكنيّة بالقنابل والصواريخ على مدار الساعة.
وكامل الأسعد الذي زعم في آخر سنواته أنه لم يصوّت لاتفاقيّة ١٧ أيّار، وقّع على قانون الاتفاق وأرسله إلى القصر الجمهوري (راجع «النهار»، ٢٣ حزيران، ١٩٨٣). والشيخ عبد الأمير قبلان كان من الأصوات الداعمة لحكم أمين الجميّل، حينما كان المفتي حسن خالد ينتقد تعديّات الجيش اللبناني على الآمنين في بيروت الغربيّة. قال قبلان إن أمين الجميّل «غير متجه باتجاه سيّئ»، وأضاف «أنا أحببتُ الفلسطينيّين يوم كانوا ثائرين من أجل حقّهم، وأصبحتُ ضدّهم عندما أقاموا دولة لهم ضمن الدولة اللبنانيّة» («الصيّاد»، ١٢ آب، ١٩٨٣). لم يكن كلام الزعماء الشيعة التقليديّين ورجال الدين التقليديّين مختلفاً عن خطاب الكتائب يومها. المفتي الجعفري الممتاز لم يتورّع عن تأييد مطالب العدوّ الإسرائيلي، فقال في خطبة بمناسبة عيد الفطر في ١١ تمّوز، ١٩٨٣ ما يلي، بعد أن أثنى على جهود حكم أمين الجميّل في مفاوضات ١٧ أيّار: «إن لنا حقّاً في العيش بحريّة وسلام، وقد يكون لجيراننا حقٌّ علينا في ألا نستعمل أراضينا منطلقاً لأعمال عدائيّة ضدّهم، سوف نحفظ لهم هذا الحقّ، فليحفظوا لنا حقنا عليهم» (١١ تمّوز، ١٩٨٣، «السفير»). كما عارض المفتي قبلان أعمال المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي وقال بالحرف: «إن العمل العسكري، من أي فريق كان في هذه المرحلة اللبنانيّة لا يمكن أن ينفع أحداً، ولا يستفيد منه أحد… علينا أن نحافظ على أرضنا ونبعدها عن كل إجرام وعمل عسكري، علينا أن نكفّ عن كل هذه الأعمال لنرحم أنفسنا ويرحم بعضنا بعضاً» (١٧، أيلول، ١٩٨٣). والمفتي قبلان زار بصحبة الشيخ محمد مهدي شمس الدين بيار الجميّل وفادي أفرام، قائد القوّات اللبنانيّة في حينه. وعلّق أفرام على اللقاء بالتنديد بـ«الأيدي الشيوعيّة»، مضيفاً أنّ «الشيوعي يريد إحباط مخطط السلم الذي وُضعَ للبنان» («العمل»، ١٥ كانون الثاني، ١٩٨٣). كما أن المفتي قبلان رفض أي انتقادات عربيّة للمفاوضات اللبنانيّة ــ الإسرائيليّة وطالب أن «يعيرنا العرب سكوتهم» («النهار»، ٢٨ كانون الثاني، ١٩٨٣).

والطريف أن اسم رفيق الحريري لم يرد في الصحافة اللبنانيّة إلا في حقبة المفاوضات اللبنانيّة ــ الاسرائيليّة، وصِفته كانت «مساعد الموفد السعودي الأمير بندر بن سلطان». وكان الدور السعودي مكملاً للدور الأميركي لتسهيل تمرير اتفاقيّة ١٧ أيّار عربيّاً. وكانت الإدارة الأميركيّة تشّدد أنها متفقة مع الحكومة اللبنانيّة في طلبها لـ«دمج قوّات سعد حدّاد في الجيش اللبناني» («النهار»، ١٦ شباط، ١٩٨٣). وقرار الدمج هذا جاء بعد توالي حوادث جرائم الحرب التي كانت قوّات حدّاد ترتكبها في أنحاء مختلفة من لبنان. وكانت أخبار المفاوضات اللبنانيّة ــ الإسرائيليّة ترد في الصحف اللبنانيّة من دون علامات تعجّب أو استنكار، بما فيها تلك الأخبار التي كان الناطقان باسم الوفد اللبناني (أمين معلوف وداود الصايغ) يصرحان بها للإعلام، بما فيها التعاون بين لبنان وإسرائيل على «مكافحة المخدّرات» (راجع أخبار الجولة السابعة عشرة للمفاوضات في ناتانيا في فلسطين المحتلّة، «النهار»، ٢٢ شباط، ١٩٨٣). وكان أنطوان فتّال هو رئيس الوفد اللبناني المُفاوض ولا نعلم ظروف اختياره هو الديبلوماسي والمُحاضر الذي انتقاه على الأرجح حزب الكتائب اللبنانيّة بالتفاهم مع، أو بتزكية مِن، حكومة العدوّ —التي كان مستشرقوها على علم بكتاباته المعادية للإسلام- لأن له مؤلّفاً ضد التعامل الإسلامي التاريخي مع المسيحيّين واليهود، والغريب أنّ أحداً لم يعترض في حينه على تعيين فتّال ربّما لأن أحداً لم يتكلّف عناء قراءة كتابه الصادر في عام ١٩٥٨ بالفرنسيّة بعنوان «الوضع القانوني لغير المسلمين في بلدان الإسلام»، وهذا الكتاب لا يزال مرجعاً مُعتمداً في كل كتابات الكراهية ضد الإسلام من قبل اليمين الغربي، ويرد في الكتاب المبني على تعميمات مبتذلة غير مُتعلّمة تخويف من استمرار «الإسلام» (كأنه اسم لطاغية يجول في البلدان الاسلاميّة) في شنّ الحرب ضد كل غير المسلمين في العالم. وفتّال سعى لطمأنة الوفد الإسرائيلي بانتظام —حسب ما كان يرد في التقارير الرسميّة عن المفاوضات— أن الانتقادات (القليلة) في الصحافة اللبنانيّة للمفاوضات «لن تؤثّر على المحادثات».
وكمْ تنافس معلّقو تلك الحقبة على تبجيل اتفاقيّة ١٧ أيّار. والمحلّل الاقتصادي مروان إسكندر أثنى على المفاوضين اللبنانيّين الذين انتزعوا اتفاقاً يحافظ على المصلحة اللبنانيّة («النهار»، ١٢ أيّار، ١٩٨٣). أما الياس الديري فكتب: «حسناً فعل مجلس النوّاب اللبناني حين قال، بلسان الأكثريّة وبمسؤوليّة تاريخيّة، نعم لاتفاق انسحاب القوّات الأجنبيّة من لبنان» («النهار العربي والدولي»، ٢٠ حزيران، ١٩٨٣). وفي مناسبة التذكير بدور أمين معلوف كمسؤول إعلامي في الوفد اللبناني الرسمي إلى مفاوضات ١٧ أيّار (الطرفة أن كاتباً زعم أخيراً أن أمين معلوف «استُدعي» كي يشارك في المفاوضات، أي أن حكومة أمين الجميّل أرسلت من يضع مسدّساً في صدغه مهدّداً، مما اضطرّه إلى المشاركة) يعود الحديث إلى دور جوزيف سماحة. وهناك مَن زعم أخيراً أن جوزيف سماحة زار فلسطين المحتلّة أو أنه شارك في المفاوضات. لم يكن ذلك صحيحاً: لكن جوزيف (وهو ليس حيّاً كي يردّ) شارك في الوفد الإعلامي اللبناني الذي غطّى المفاوضات (التي كانت تجري دورياً في لبنان وفي فلسطين المحتلّة، وكانت الطوّافات اللبنانيّة والاسرائيليّة تنقل المراسلين اللبنانيّين والاسرائيليّين) وهو اختار ألا يحجم عن الذهاب إلى فلسطين المحتلّة لتغطية المفاوضات (يحاول البعض أن يدلّل على خرق المقاطعة من أحد على أنه دحض للمقاطعة من قبل الجميع). هذا كان خياره. وكتابات الراحل سماحة في تلك الفترة لم تكن، كما قيل أخيراً، مؤيّدة للاتفاقيّة، لكنها كانت ليّنة وتقنيّة جدّاً في نقدها لخيار حكم أمين الجميّل. كان جوزيف مثلاً ينتقد التعويل اللبناني الكبير على الموقف الأميركي، وكتب ذات مرّة في ضرورة عدم «إضعاف الموقف اللبناني في المفاوضات» («السفير»، ٢٥ كانون الأوّل، ١٩٨٢)، مما يوحي بأنه لم يكن رافضاً لمبدأ المفاوضات. لكن مَن قال إن موقف جوزيف كان يجب أن يكون محتذى؟ والحقّ يُقال، العودة إلى كتابات تلك الفترة تذكّر بأن قلم طلال سلمان كان من أشجع الأقلام على الإطلاق، ولم يكن متأثّراً البتّة بجو الإرهاب والترهيب (الذي فرضه حكم أمين الجميّل المتحالف مع الاحتلال الإسرائيلي) -مما عرّضه لمحاولة اغتيال.
وفي هذه الأجواء مَرّت اتفاقيّة ١٧ أيّار بقليل من الاعتراض، وبكثير من التأييد. ينسى البعض أن نائبيْن فقط (نجاح واكيم وزاهر الخطيب) صوّتا ضد الاتفاقيّة وأن رشيد الصلح وألبير منصور وحسين الحسيني امتنعا عن التصويت (لماذا؟) فيما «تحفّظ» نائب حزب البعث العربي الاشتراكي (الموالي للنظام العراقي)، عبد المجيد الرافعي. وحتى رئيس الحركة الوطنيّة وليد جنبلاط، لم يعارض الاتفاقيّة إلّا بعد تبلور موقف معارض (بعضه بإيعاز من النظام السوري الذي كان متساهلاً في البداية مع مبدأ المفاوضات بين لبنان وإسرائيل، كما صرّح في حينه عبد الحليم خدّام). جنبلاط الذي أولمَ لشمعون بيريز فيما كان صبية فلسطينيّون يقارعون قوّات الاحتلال الإسرائيلي في عين الحلوة، صرّح بعد عودته من لقاء تشاور مع الملك الأردني أنه «مع المفاوضات اللبنانيّة – الاسرائيليّة – الأميركيّة إذا أدّت إلى الانسحاب الإسرائيلي الكامل» («النهار»، ٧ كانون الثاني، ١٩٨٣). أما «المُنسِّق العام للمفاوضات» غسّان تويني، فأعلن أن الهدف هو «إقامة وضع أمان دولي على الحدود اللبنانيّة ــ الاسرائيليّة المعترف بها دوليّاً» («النهار»، ١٤، كانون الثاني، ١٩٨٣).
ليست هذه نكئاً لجراح اندملت. هذه جراح لم تندمل بعد. هناك فريق سياسي في لبنان دوماً يتحفّز للمجاهرة بالتحالف مع العدوّ الإسرائيلي عند أوّل فرصة سانحة. ولو أن عدوان تمّوز نجح في كسر شوكة حزب الله، لكانت السلطة في لبنان قد أعادت فتح مكتب الاتصال الإسرائيلي في ضبيه (مَن يذكر هذا العار في تاريخ لبنان؟). المواقف والاتجاهات السياسيّة للطوائف اللبنانيّة —كافّة— لا يُعوَّل عليها لأنها مبنيّة على حسابات الربح والخسارة للطوائف. وحدها العقائد تحمي من المرونة والليونة في التعاطي مع الخطر الإسرائيلي، وهذا النوع من العقائد يخضع هو أيضاً لحسابات الطوائف المرِنة. إن اتفاقيّة ١٧ أيّار عُقدت قبل أن توقّع ومناخها رافق كل يوم قصف من قبل العدوّ. ومناخ ١٧ أيّار أعاد رفيق الحريري تجديده بمجرّد ان وصل إلى السلطة، مستعيناً بالناطق الرسمي للوفد اللبناني في مفاوضات ١٧ أيّار، مستشاراً خاصّاً به.
* كاتب عربي (موقعه على الإنترنت: angryarab.blogspot.com)


adonis49

adonis49

adonis49

November 2019
M T W T F S S
« Oct    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
252627282930  

Blog Stats

  • 1,359,518 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.adonisbouh@gmail.com

Join 693 other followers

%d bloggers like this: