Adonis Diaries

Posts Tagged ‘الجمر والرماد

Memoir of Kamal Nader: Amber and Ashes. Part 21

ذكريات الجمر والرماد . 21.

كان شتاء العام 1976 فترة فاصلة في تاريخ الاحداث الجارية على ارض لبنان وفي الشرق عموما ،

وبعد الفرصة التي حملها الدكتور عبدالله سعاده والتي تمثلت بارساء تفاهم ينهي الحرب ضمن تلك الفترة الزمنية ، سقطت فرصةٌ ثانية عندما فشل الاجتماع الطويل الذي انعقد بين وفد الحركة الوطنية برئاسة الاستاذ كمال جنبلاط والرئيس حافظ الاسد في اواخر شهر شباط 76 ، وخرج الرجلان اكثر تباعداً واختلافا .

وما هي الا ايام قليلة حتى وقع انقلاب ” الاحدب ” في 11 اذار وانشق الجيش اللبناني وظهر “جيش لبنان العربي ” بقيادة الرائد احمد الخطيب تدعمه منظمة التحرير والحركة الوطنية ،

فانفصل الجنود والضباط عن بعضهم والتحق كل فرد بمنطقته الجغرافية والطائفية ونهبت الاسلحة والثكنات ، واصبحت الميليشيات تمتلك دبابات ومدفعية ثقيلة مع طواقمها ، ووقعت كوارث فظيعة في عدة مناطق .

ففي المتن الشمالي جرت معارك طاحنة ابرزها معركة المتين التي ربحتها الحركة الوطنية لكنها توقفت عند حدود بولونيا ولم تتقدم الى ضهور الشوير ،

ثم حدث شيء مفاجئ وغريب إذ انسحب الجيش من عينطورة وتراجع الى مجدل ترشيش دون اعلامنا ، فدخلت قوة من الكتائب وارتكبت مجزرة رهيبة راح ضحيتها واحد وعشرون من ابناء البلدة بينهم نساء واطفال ومنهم الامين نسيب عازار وما زالت تلك المجزرة ترخي بثقلها على تاريخ المتن وعلى الحزب القومي ، وتقام كل سنة في 28 اذار مراسم لاحياء ذكرى الشهداء .

اما في الكورة فقد كدنا نقع في ورطة كبيرة عندما استولت احدى الميليشيلت الشمالية على كتيبة مدفعية ثقيلة للجيش ، واخذتها نحو منطقة تمركزها ، لكننا تنبهنا للأمر وهي تمر في اميون فاوقفنا القاقلة واخذنا المدافع وهي من عيار 122 ميدانية ، مع ذخائرها وشاحناتها ، ثم اطلقنا سراح الجنود وساعدناهم على الوصول الى قراهم في البقاع وعكار .

في تلك الفترة خسرنا عدة شهداء اذكر منهم الشهيدين جرجي جنورة وسعاده ضاهر من اميون وحنا غازي من ” بصرما ” وطه القدور من طرابلس وشوكت علم الدين من المنيه ،

وازدادت وطأة الحرب والموت علينا كما تصاعدت حدة التوتر بين الكورة والمناطق الجبلية المحيطة بها .

وفي بيروت قام جيش لبنان العربي بقصف القصر الجمهوري بالمدفعية الثقيلة على يد ضابط محترف سدد اصابات دقيقة اليه غرفةً غرفة ، ما اضطر الرئيس سليمان فرنجية الى مغادرة القصر فانتقل الى بلدة ” الكفور ” في كسروان بجوار بلونة وسهيلة ، واقام هناك وادار امور الرئاسة من القصر البلدي الفخم في ذوق مكايل .

هناك جاءه في شهر نيسان 76 موفدٌ امريكي يدعى ” دين براون ” وحاول اقناعه بترحيل المسيحيين من لينان الى كندا واوستراليا ، وفسح المجال لتوطين الفلسطينيين مكانهم ، فما كان من الرئيس فرنجية الا ان رد يوجهه ردا قاسيا وانهى الاجتماع معه بشكل حازم رافضا هكذا افكار وعروض ،

فغادر المبعوث الامريكي وهو يضمر غضبا وتهديدا مبطنا للبنان . والى اليوم ما زال الموفدون الامريكيون يحملون الينا التهديدات ومشاريع التوطين والخراب وكل ذلك خدمةً للكيان الصهيوني .

بعيد ذلك ” المبعوث ” اشتد الحصار على مخيمات تل الزعتر وجسر الباشا والنبعة ، ودارت معارك كر وفر وقصف عنيف ، فقررت ” القوات المشتركة ” اللبنانية والفلسطينية ان تقوم بهجوم واسع على المتن وكسروان بشكل رئيسي ، وحصل ذلك في اواخر ايار انطلاقاً من ” عيون السيمان ” باتجاه ميروبا وحراجل وعجلتون ،

ولم تستطع قوات الكتائب والجبهة اللبنانية أن تصمد طويلا امام الهجوم الكثيف ، وبدأ الناس يهجرون القرى والمدن هناك باتجاه قبرص عبر البحر ،

واصبحت الجبهة اللبنانية امام كارثة حقيقية فاجتمع الرؤساء فرنجية وشمعون وشارل حلو وشربل القسيس ووجهوا نداءً عاجلاً الى الرئيس حافظ الاسد لإنقاذ المسيحيين ، وذلك بعدما اتصل كميل شمعون مع الامركان عبر ابنه دوري الموجود في واشنطن ، طالباً تدخل الاسطول السادس الامريكي ، فكان جواب هنري كيسينجر :” نحن لا نستطيع ان نتدخل واسرائيل غير قادرة نتيجة الظروف الشرق اوسطية ، وننصحكم بالاستعانة بالاسد ” .

تلقت دمشق النداء فتحركت قواتها بسرعة لوقف الهجوم حتى انها استعملت الطيران الذي رسم بالنار خطا احمر في اعالي جبال كسروان ومنع تقدم القوات المشتركة الى ما دون ذلك الخط فتوقف الهجوم وشعر المواطنون بالامان وعاد الذين هاجروا الى قبرص .

حصل ذلك في يومي 30 و31 ايار 76 ، ويقول التاريخ إن هنري كيسنجر كتب في مفكرته بتاريخ 1 حزيران عبارة بليغة التعبير قال فيها : ” لقد دخل الاسد الى الفخ الذي نصبتُه له في لبنان ” .

إن كل من يريد ان يفهم مجريات تلك الحرب التي سماها الاستاذ غسان التويني ” حرب الآخرين على ارضنا ” يجب ان يعرف مغزى عبارة هذا الوزير الامريكي اليهودي ويتمعن في معانيها ،

واذا شئتم ان تربطوا بينه وبين اليهودي ” كوشنير ” صهر الرئيس الامريكي الحالي ترامب والمبعوثين اليهود الذين ياتون الينا ومعظمهم يحملون اسم ” ديفيد ” ، فان الصورة عما يجري ولمصلحة من هذا الذي يجري ستصبح واضحة .

يطول الحديث فنترك بعضه الى الحلقات القادمة ، والى اللقاء ، واسلموا للحق والخير والنضال لأجل بلادكم وشعبكم المصلوب على تقاطع مصالح الامم الكواسر .

Amber and Ashes: Memoir of Kamal Nader. Part 20

ذكريات الجمر والرماد . 20 .

مع قرب انتهاء العام 1975 كانت الحرب قد اصبحت خطراً يلقي بثقله على الحياة الاجتماعية والسياسية وعلى امن الناس وسلامتهم وممتلكاتهم ،

وكانت مناطق واسعة قد تعرضت للتهجير وبات سكانها مشردين ونازحين الى مناطق اخرى ضمن لبنان ،

ويمكن ان نعدد المناطق هذه بأنها حي الكرنتينا والمسلخ وحارة الغوارنة وسبنيه ، في ضواحي بيروت الشرقية والمتن ، تقابلها الدامور والسعديات في الساحل الجنوبي لبيروت ،

واعتداءات طالت بلدات في اطراف البقاع الشمالي لأسباب طائفية سببت وقوع عدد من القتلى والجرحى ،

وكل هذه الاحداث زادت التوتر وسخونة الاوضاع والاحقاد وبات اللهب عندما يخبو لبعض الوقت يرخي تحته جمراً شديد الخطورة لا يلبث ان يشعل جبهات اخرى بعد وقت قصير .

ومع بداية العام 76 وسيل الاماني بان تكون السنة الجديدة سنة خير وسلام على لبنان واماني عريضة بأن يكون الميلاد برداً وسلاماً وسروراً على اللبنانيين ، وقداديس ترفع الابتهالات للأمل المرتجى ، كانت قلوبنا تخفق بدقات الخطر الماثل امامنا ،

وقد تعرضت مراكزنا في بيت شباب وديك المحدي وجل الديب وضهور الشوير لحصار عسكري من طرف الميليشيات اليمينية فاضطر رفقاؤنا الى الانسحاب منها تباعاً دون اراقة دماء ،

كما سقط مخيم الضبيه المجاور لكسروان ونهر الكلب بيد قوات الكتائب ونمور الاحرار ، من دون ان تقع فيه اعمال دموية كبيرة نظرا لكونه يضم المسيحيين الذين هجروا فلسطين عام 1948 .

كما كانت مناطق الدكوانه وسن الفيل وجسر الباشا والمنصورية تشهد جولات ساخنة من القتال مع مخيم تل الزعتر وجسر الباشا والنبعة وضهر الجمل ، وتقع فيها ضحايا مدنية من وتصاب الابنية والمؤسسات باضرار كبيرة .

وأذكر ان رفقاء لنا من آل حاموش تعرضوا للتصفية الجسدية في منصورية المتن ورفقاء آخرين من آل خليل في الضبيه ايضاً وعدد مهم من آل الحشيمي في برمانا ،

كما جرت تصفية الرفيق سمير دكاش وعائلته في منطقة العقيبة وهُجر كثيرون من القوميين عن تلك المناطق ، وخضع الباقون للضغوط والاعتقالات المتكررة .

وفي تلك الفترة دخلت على الميدان العسكري قوات الصاعقة وجيش التحرير الفلسطيني وتمركزت في عكار ومحيط طرابلس وفي البقاع .

وعلى الصعيد السياسي اصدرت الحركة الوطنية وثيقة تشبه ” مانيفست ” الثورة تتضمن مطالبها الاصلاحية في ما يتعلق بتطوير النظام اللبناني من جهة وحماية المقاومة الفلسطينية من جهة ثانية ،

كما اصدر الرئيس الجمهورية سليمان فرنجية ” الوثيقة الدستورية ” بالتشارك مع الجبهة اللبنانية التي تضم حزب الكتائب وحزب الوطنيين الاحرار برئاسة الرئيس كميل شمعون وتنظيم الرهبانية اللبنانية بقيادة الاباتي شربل القسيس ، وغاب عنها عميد الكتلة الوطنية ريمون اده بعدما تعرض لعدة محاولا اغتيال بين جبيل وبيروت فغادر لبنان نهائياً واقام في فرنسا ورفض ان يشارك حزبه في القتال .

يبرز هنا حدثٌ مهم تمثل بزيارة خارقة للروتين وللتاريخ ، قام بها الامين عبدالله سعاده الى دمشق حيث عقد عدة اجتماعات مع القيادة السورية المكلفة بمتابعة ما يجري في لبنان وهي تضم وزير الخارجية آنذاك عبد الحليم خدام ورئيس اركان الجيش السوري اللواء حكمت الشهابي وقائد القوى الجوية اللواء ناجي جميل ، وهم مكلفون من الرئيس حافظ الاسد بالملف اللبنلني .

عن هذا الموضوع المهم يقول الامين سعاده ان الاجتماع الاول كان عاصفاً جدا واستمر الى ساعات الفجر وتخلله صراع حاد واتهامات متبادلة بينه وبين الضباط الكبار وفتح لتواريخ قديمة وحديثة وكلها خطيرة الى درجة ان احد الضباط قال له كيف تواجهنا بهذه الحدة والصراحة وانت على بعد امتار قليلة من سجن المزة ، وهو يقصد ان يذكّره بما اصاب الحزب القومي من اضطهاد وتعذيب في هذا السجن الرهيب ،

ولكن الامين الذي لم يرهبه حكم الاعدام وعذاب السجون في لبنان بعد الانقلاب ، لم يكن يخيفه اي تهديد وتذكير .

وفي اليوم التالي كان الاجتماع اكثر هدوءاً ودخلوا في بحث الوضع اللبناني والفلسطيني بالتفصيل فطرح الامين سعاده مطالب الحركة الوطنية ومنظمة التحرير والوثيقة الدستورية ودار نقاش موضوعي حول كل البنود الى ان وصل الامر بالطرفين الى تفاهم مفصلي وتاريخي على معظمها ،

حتى انه بعد مراجعة الرئيس الاسد ، تم تفويضه بأن يبلغ الاطراف اللبنانية والفلسطينية بموافقة دمشق على الوثيقتين وعلى حل يوقف الحرب ونزيف الدم في لبنان ويحفظ المقاومة الفلسطينية ويحمي ظهرها لتستطيع متابعة عملها تجاه العدو . وقالوا للامين سعاده : ” معك كارت بلانش ” ان تبلغ باسمنا الموافقة على كل هذه الشروط .

وعلى هذا الاساس عاد الدكتور عبدالله الى بيروت فابلغ رئيس الحزب الامين انعام رعد بالنتيجة الايجابية ثم ابلغ الرئيس ياسر عرفات فابدى موافقته واثنى على عمله ثم قال له بأن من الضروري ان يذهب ويبلغ قائد الحركة الوطنية الاستاذ كمال جنبلاط ، فاجتمع به وابلغه النتيجة ورحب بها لكنه قال انه يعتقد بأن الرئيس الاسد محشور بالضغوط العربية والدولية ولذلك وافق على المطالب ، وانه من الافضل ان نستمر في المواجهة للحصول على ما هو اكثر .

لقد ضاعت فرصة ثمينة لإنهاء الحرب باقل الخسائر وستضيع فرص ٌ اخرى تباعاً .

عند هذا الحد توقفت المساعي وباءت بالفشل وانفتح الميدان على جولات اخرى من العنف في كل لبنان وزاد الشق والشرخ بين دمشق من جهة والحركة الوطنية ومنظمة التحرير من جهة ثانية ، ليكون ذلك الشق فرصةً تاريخية استفادت منها الجبهة اللبنانية استفادة كبيرة في تنفيذ مشروعها وحربها ضد الفلسطينيين واليسار اللبناني .

وهذا ما سنبيّنه في الفصول اللاحقة ، فالى اللقاء مع ذكريات الجمر والرماد ، واسلموا للحق والجهاد وانتبهوا لما يجري اليوم ولوجه الشبه في ( تفويت فرص الحلول ) وتدهور الاوضاع نحو الحرب لنتفاداها قبل فوات الاوان

What happened in the prisons of Lebanon during President Fouad Chehab? Part 3

Kamal Nader posted on FB . 14 hrs

ذكريات الجمر والرماد .6.

خرجنا من السجون الى الحرية وبات علينا ان نواجه الواقع وتحديات الحياة .

كان العام الدراسي قد اصبح في منتصفه ولم يعد بامكاني أن ادخل الى اي جامعة لأن نظام التدريس كان يقوم على قاعدة السنة الكاملة وليس الفصول ، فذهبت واشتغلت في جريدة النهار بوظيفة ” مصحح ” لغوي وطباعي ،

وكانت هذه الوظيفة لأخي الاكبر جان وهو تنازل لي عنها ودبر عملا آخر بعدما خرج من السجن .

تقبل الاستاذ غسان التويني الأمر بعد اتصال من ابن خالتي الدكتور نفحة نصر الذي شرح له وضعي وانني قومي خارج من السجن واتمتع بمعرفة قوية باللغة العربية . هكذا وجدت نفسي ادخل الحياة العملية من باب الصحافة ،

وكانت ” النهار ” من كبريات الصحف في العالم العربي وفيها اساتذة كبار في السياسة والادب والشعر والصحافة والفن ، تعرفت عليهم مع مرور الوقت ، وكان بامكاني ان اتعامل مع صحافيين مميزين مثل ميشال ابو جوده وفرنسوا عقل وشوقي ابو شقرا وادمون صعب وجوزيف نصر ،

كما كنت التقي العميد ريمون اده واحياناً علياء الصلح التي تكتب مقالات متفرقة في الجريدة . وقد وفرت لي الصحافة معلومات هائلة عن كل ما يجري من احداث في الشرق والعالم واعطتني ثقافة سياسية وادبية كبيرة ، وما زلتُ اتذكر تفاصيل ما جرى من صراعات في لبنان والاردن ومصر وفلسطين في تلك الحقبة .

كان العمل في الجريدة يبدأ في الساعة العاشرة ليلاً وينتهي قرابة الساعة الثالثة فجراً ،

فاعود الى بيتنا في عين الرمانة ، وفي اليوم التالي اجد متسعاً من الوقت للنشاط الحزبي الاذاعي وامور اخرى ، وكان معاشي كبيرا بمقياس تلك الايام ، فاتقاضى 500 ليرة لبنانية وهو رقم مهم اذا علمنا بان النائب في البرلمان يتقاضى 1200 ليرة .

ولكي استفيد من الوقت التحقتُ بمعهد لتدريس اللغة الانكليزية يقع بجوار الجامعة الامريكية ، وتقدمت بسرعة لأنني كنت قد درستُ اولويات تلك اللغة مع صديقي سامي الصايغ بطريقة طريفة ومحببة .

كان سامي موظفاً في بنك ” الريف “ وهو اساساً من مشغرة وقد نزل هو واخوته ، نصري الصايغ الاديب والكاتب القومي العلماني المميز اليوم ، وعاطف الذي اصبح طبيباً ،وشقيقتهم روزي ، وسكنوا بجوارنا في عين الرمانة ،

وبما انهم من عائلة قومية اجتماعية فقد تعارفنا وبتنا اسرة واحدة تجمعها المحبة القومية وما زلنا الى اليوم رغم تباعد المكان .

كانت عند سامي آلة تسجيل كبيرة وقد اشترى اشرطة وكتباً لتعليم اللغة حسب طريقة اذاعة لندن ، فكنا نجلس معاً كل يوم تقريبا ونستمع الى طريقة التعليم ونقرا ما في الكتب ، وهذا ما جعلنا نمسك مفاتيح الاحرف والكلمات الاولية وطريقة اللفظ . والى اليوم ما زلت اتذكر واضحك في سرّي عندما اسمع اغنية زياد الرحباني بصوت جوزيف صقر “ اسمع يا رضا “ ، خاصةً عندما يقول “ تعلم لغّة اجنبية هيدا العربي ما بيفيد … دوّر لندن من عشيّة ماري بتهجّي وبتعيد “.

امضينا فترة جميلة ومفيدة ، ثم استفدت من فترة السجن فتعلمت من رفيقيّ انطون حتي وغانم خنيصر مزيداً من هذه اللغة .
في ربيع تلك السنة حصلت معي حادثة لا تخلو من عبرة ودلالة . فقد اعتدت ان ادخل الى الجامعة الامريكية وادرس في مكتبتها الغنية بالكتب والمراجع ، وكان لي اصدقاء ورفقاء كثيرون فيها .

وذات يوم شاهدتُ تجمعاً للطلاب امام مبنى الادارة وهو المعروف ب “ الكولدج هول ” ، فذهبت الى الكافتيريا وسالت رفيقي حليم عودة عما يجري فاخبرني ان الادارة رفعت الاقساط وان هناك حركة احتجاج من الطلاب وقد تعرض بعضهم للطرد ، وأن باسم المعلم يقود التظاهرة . كنت احب باسم وهو قومي اجتماعي من كفرحزير الكورة ويتميز بالدينامية والنشاط وبيني وبينه مودة ، فتركت كتبي عند حليم ونزلت ابحث عنه ، فتلقاني بقامته الطويلة ودعاني ان امشي معه في طليعة التظاهرة . تسلمت الميكروفون وسرنا ،

وراحت التظاهرة تجوب طرقات الجامعة باتجاه ” الويست هول ” ثم اتجهت الى منزل رئيسها الدكتور ” كيركوود ” ، والقى باسم كلمة نارية ضده ، ثم عدنا نحو مبنى الادارة ، وهنا جاء من اخبرنا بأن الشرطة باتت تحاصر الجامعة وتنتظر القرار بالدخول الى حرمها وتفريق المتظاهرين واعتقال البعض منهم . طلب مني باسم ان اغادر لأنني لست طالبا ولا يحق لي ان اشارك بمثل هذه النشاطات وإن وقعت في يد الشرطة سيتم توقيفي .

سلمت الميكروفون الى رفيقي محمد حماده وذهبت فاخذتُ كتبي من عند حليم عودة ، واتجهت للخروج من البوابة الرئيسية المفضية الى شارع ” بلِسس ” ، وهناك شاهدتُ في اعلى الدرج الرفيق مفيد الهاشم وكان مسؤولاً في جهاز امن الجامعة ، فاشار الي برفعة من حاجبيه وحركة من يده ، بشكل فهمت منه بأن اغيّر طريقي لأن الشرطة كانت تدقق في الداخلين والمغادرين وتطلب بطاقاتهم .

تابعت سيري بهدوء وانعطفت من جانب المكتبة العامة ثم انحدرت على الدرج الطويل الذي يمر بقرب كلية الهندسة ، وانا اؤمل نفسي بأنني استطيع الخروج من البوابة البحرية ( سي غيتC Gate ) ، لكن الشرطة كانت هناك ايضاً، فدخلتُ الى الملعب الاخضر الكبير وجلست على مدرجه ، كأنني المشاهد الوحيد لمباراة لم تحضر فرقُها .

فتحت كتاب فلسفة كان معي ورحت اقرأ ، ولكنني لا افهم شيئاً مما اراه ، فقد كان ذهني شارداً في كل ما يجري بينما عيناي تجريان منفصلتين على سطور الكتاب .
مرت نصف ساعة وهدأت اجواء المكان وغاب صوت المتظاهرين ، ثم بدأت سيارت الفرقة 16 تبتعد ، وهكذا استطعت ان اغادر الجامعة وصعدتُ في باص الدولة عائدا الى البيت . ولكن العبرة في الأمر هي انني قد اصبحت في مكان آخر غير مكان الطالب والعلم والشهادات … لقد صار عقلي يشتغل على السياسة والنضال وهذا ما سيترك اثراً مهما على مستقبلي .

في الحلقة القادمة نحكي عن العمل الاذاعي وعن ما اكتسبته من عملي ب ” النهار ” ومواكبة الاحداث السياسية الكبيرة في تلك الحقبة . فالى اللقاء .

Amber and Ashes: Memoir of Kamal Nader. Part 16

ذكريات الجمر والرماد . 16.

على اثر الحفلة التي اقمناها في شاطئ فلوريدا دعاني احد ضباط المكتب الثاني ، ليسألني عن الكلام الذي قاله الرفيق خالد زهر عن الاتراك وقطع الاشجار .

كان لديهم تسجيل للقصيدة ولغيرها وهذا امر ليس مستغرباً فالحفلة علنية وفيها اناس كثيرون . المهم في الموضوع انه ركز على معنى عبارة خالد التالية :” من كم سنة رجعوا الاتراك عابلادنا ، رجعوا يقصّوا شجرها وصنوبرها وعملوا الشجر صلبان وعليه صلبوا قيمة الانسان . ” وسال متى رجع الاتراك الى لبنان حتى يقول صاحبك هكذا .

شرحتُ له الموضوع بأنه يقصد ما فعلتموه أنتم سنة 1962 بعد الانقلاب عندما قطعتم اشجار الصنوبر التي يقوم عليها عرزال زعيمنا انطون سعاده واحرقتموها مع العرزال في ساحة ضهور الشوير بعملية انتقامية ظالمة ، وان خالد يعود بالذاكرة الى ايام الحكم التركي الظالم حيث قطع الاتراك غابات لبنان واخذوا الخشب لخدمة جيشهم وقطاراتهم وقصورهم ، حتى كاد لبنان ان يصبح جبلاً اجرد ،

وهو استعمل هذا التشبيه بشكل مجازي فلا الاتراك عادوا ولا جمال باشا السفاح علق المشانق في ساحة الشهداء ، بل انتم قد اعدتم ذلك المشهد والتصرفات .

بالطلع لم ينزل كلامي عليه برداً وسلاماً لكنه لم يجد ما يقوله وهو الذي يعلم مقدار التعذيب الذي مارسوه بحق القوميين والاعدامات الميدانية التي قاموا بها من دون محاكمة وقد قتلوا اكثر من 35 رفيقاً تحت جنح الظلام ، عدا عن الوف الرجال والنساء الذين تم اعتقالهم دون مبرر وقد اكلت السياط من اجسادهم وظهورهم واقدامهم ونزفت دماؤهم والبعض منهم اصيبوا بعطل دائم جراء التعذيب الوحشي .
انتهت الجلسة في هذا الجو المكفهر وغادرت مكتبه ولم اعد اراه مطلقاً إذ انه نقل بعد فترة الى منطقة اخرى .

مرت سنة 1971 ونحن في العمل الاداري والاذاعي وعددنا يزداد ، وفي ليلة اول اذار اشتعلت النيران على كل تلال الكورة بدون اشتثناء في مشهد عز نظيره فجميع المديريات والمفوضيات كانت قد حضرت وسائل ” التشعيل ” ونشرتها في كل مكان مطل ومشرف ، وعند غروب الشمس توهجت المنطقة كلها كأنها كتلة نور ونار تعبيرا عن شعلة النهضة التي لا يمكن ان تموت او تنطفئ .

وفي 8 تموز اقمنا احتفالاً لذكرى استشهاد الزعيم كان حاشداً بشكل كبير ،

ثم ختمنا الصيف بمهرجان مميز على بيادر ” فيع “ تكريماً لذكرى الاديب القومي فؤاد سليمان والمربي جورج ابراهيم عبدالله الذي كان اول منفذ للكورة سنة 1935 ، ثم مات شهيداً للعلم وللمدرسة عندما تدهورت به البوسطة القديمة في نزلة بطرام سنة 1953 .

ولليوم يقوم تمثاله على مدخل البلدة الى جانب نصبٍ اقيم حديثاً لفؤاد سليمان الذي كان مع الزعيم سعاده اول ناموس لعمدة الاذاعة سنة 1936 والذي وافته المنية سنة 1951 اثر مرض عضال وكان موتهما غصة في القلوب لا يمحوها مرور الزمن .

في ذلك المهرجان تكلم الامينان جبران جريج وعبدالله قبرصي وهما من رفقاء الفقيدين بل انهما على معرفة وثيقة بهما والامين جبران هو من ادخل جرجي الى الحزب ،

كما تكلم الاديب سيمون الديري وهو قومي اجتماعي كتب اطروحته في الادب العربي عن فؤاد سليمان ونال بها درجة التخرج من الجامعة اللبنانية بتميز ،

والقى غسان مطر احدى اروع قصائده والتي يقول فيها :” تجري الرياحُ كما تجري سفينتنا نحن الشراعُ ونحن الريحُ والقدرُ “.

كان مدير المديرية كارلو النكت وقد قام مع مديرية فيع بجهد منظم ومميز لنجاح الاحتفال والقى كلمة الافتتاح فيه مرحباً بالحضور ومعرفا عن فيع وادبائها ونشاط المديرية فيها ، وكان التنظيم بعهدة ناظر التريب يوسف الايوبي ( الشهيد لاحقاً ) ،

اما انا فقد القيت الكلمة الختامية شاكراً الحضور والشعراء والادباء وختمتها بمقطع ناري عن الاستشهاد منذ سقراط والسيد المسيح الى انطون سعاده وابطال النهضة القومية .

وانتهى الصيف وشارفت مهمتي على النهاية إذ كنت قد اصبت بقرحة في المعدة صارت تضايقني كثيراً وقد عالجني الدكتور جمال موسى الذي استشهد فيما بعد عند بداية احداث ال 1975 بعملية اغتيال ظالمة وخسرنا بموته طبيباً يزينه العلم والاخلاق والكرم .

في ذلك الوقت اشار علي الدكتور جمال بضرورة التنبه الى نظام الاكل والالتزام باوقات محددة وبأطعمة وادوية مناسبة وهي امور لم تكن ممكنة ان تتوفر لي في ظروف معيشتي لوحدي وانشغالي الدائم ليل نهار عدا عن التعصيب والضغط النفسي والجسدي ،

فابلغت رئيس الحزب الامين يوسف الاشقر بوضعي لكنه طلب مني ان استمر قليلاً في المسؤولية ، ثم فوجئنا جميعاً بانه قدم استقالته من الرئاسة نتيجة ازمة قامت بينه وبين المحلس الاعلى الذي كان يرأسه الامين عصام المحايري والذي انقسم الى كتلتين واحدة تضم اربعة اعضاء والثانية تضم خمسة ،

وبهذا دخل الحزب في دوامة ازمات دستورية وفراغ رئاسي ادى فيما بعد الى تشكيل لجنة ثلاثية تحل مكان الرئيس وكانت تضم الامناء مسعد حجل ومنير خوري وحافظ قبيسي .

لجنة الرئاسة هذه قبلت استقالتي بعد مناقشات طويلة ومحاولات لتغيير رايي وتم تكليف الامين ايلي نصار بمسؤولية المنفذالعام فسلمته المنفذية وعدت الى بيروت لكنني كنت احرص على الذهاب الى الكورة كل اسبوع فلي فيها اصدقاء ورفقاء احباء وهي بطبيعتها وجمالها تنسيني وجع المدينة وجفاف العيش فيها .

الى اللقاء في الحلقة القادمة من هذه الذكريات واسلموا للحق والجهاد .

Amber and Ashes: Memoir of Kamal Nader

ذكريات الجمر والرماد.14.
تسلمتُ مسؤوليتي في الكورة كمنفذ عام في اول ايلول من سنة 1970 ، وكان الاستاذ حميد نعمه قد استقال من هذه المسؤولية وسلمني اياها في جلسة عقدت في بيت الامين ايلي نصار في كوسبا ، وهو كان ناموساً للمنفذية واستمر بهذه المهمة كما كان الرفيق ناهض سليمان ناظرا للإذاعة والامين خليل فارس للتدريب .

بعد التسلم والتسليم دعونا القوميين الى سلسلة من الاجتماعات الادارية للتعرف على الاعضاء وعلى اوضاع الوحدات الحزبية واعتقد ان البعض الكثير ربما تفاجأوا بهذا المنفذ الصغير السن يتولى قيادة منطقة واسعة وفيها قوميون منذ تأسيس الحزب وكلهم من اعمار كبيرة ولهم تاريخ طويل من النضال والعذاب والتضحية ،

وبالفعل احسستُ بهذه المفارقة وتكلمت معهم عنها وقلت لهم إنني احترم اعمارهم ومعظمهم بعمر والدي فكيف اكون مسؤولاً عليهم ، واجبت بأن القيادة اختارتني لهذه المهمة فتركت كل شيء كي اقوم بها وان هذا هو معنى وجودي بينكم وان ما يربطني بكم هو النظام الذي يعلو فوق كل الاعتبارات الشخصية ،

اضافة الى الاخلاق النضالية التي نتحلى بها جميعاً والعزيمة والتصميم كي ننهض بالحزب بعد السنوات الطويلة التي مررتم بها على اثر الانقلاب وما عانيتموه من اضطهاد وعذاب وتضحيات وبقيتم ثابتين على ايمانكم ونظامكم .

كانت الكورة مليئة بالفروع الحزبية ففيها اكثر من 25 مديرية كبيرة ومفوضية ، وكانت كلها تنشط في العمل الاداري وعندها طلاب وشباب بالمئات يتابعون الحلقات الاذاعية ، وهذا رتب علينا ان نقوم بجهد كبير لتأمين مذيعين لحوالى 23 حلقة اذاعية كل اسبوع ،

ولقد برز في هذا النشاط الاذاعي الناظر ناهض سليمان والرفيق الياس النجار وايلي نصار والياس بركات وفوزي بركات من بشمزين وجورج حنا قبرصي من بيترومين والرفيق وجيه الايوبي وشباب من كفريا من آل عدره ومرعي ، وآخرون كنا نعلمهم اساليب العمل الاذاعي كي يتولوا هذه المهام في المستقبل .

لم نكن نهدأ فمنذ الصباح الباكر تبدا جولاتنا ولا نعود الا مع انتصاف الليل ولم يكن عندي بيتٌ لأهلي فسكنت اولا في بيت اقارب لي وحمّلتُهم همي وقلقي ،

ثم دعاني الرفيق سمير سليمان لأقيم عنده في قريتنا ” قلحات ” المجاورة لدير البلمند الشهير ن واتذكر بالخير زوجته ثم والدته التي تنتظرنا كل ليلة الى ان نعود في ايام الشتاء الباردة لتؤمن لنا ما يلزم من حاجات ، ثم تخلد للراحة .

واحياناً كنت ابيت عند الرفيق فيلمون جبور في اميون حيث كانت له غرفة قرميد منفردة نوعاً ما فلا نزعج احداً ،

واذكر هنا بالخير ايضاً والدته ام نعيم التي تظل ساهرة الى ان اعود وعندما تسمع وقع خطواتي تفتح الباب الخشبي القديم وتندهني كي تطعمني شيئاً لئلا انام من دون عشاء .

بهذه المحبة كان الناس يحتضنون الحزب القومي ومناضليه وما زالوا الى اليوم على هذا الوفاء .

لم يكن عندنا مكتب في المنطقة فقدم الينا الرفيق ابو نبيل ابراهيم الخوري سعاده ، وهو شقيق الدكتور عبدالله سعاده ، غرفتين تقعان بجوار بيته في اميون جعلنا منهما مكتباً ومرجعا ادارياً للعمل ولعقد الجلسات والاجتماعات ،

ثم اتخذنا مركزاً آخر على تلة كفرحزير استأجرناه ببضع مئات من الليرات ، وفيه بهو كبير للاجتماعات وعدة غرف اصبحت مسكناً لي ولبعض الشباب الذي يناوبون على الحراسة معي ،

وكانت للبيت حديقة زرعناها بالخضار كنوع من الحياة القروية التقليدية ، لكن الاهم في ذلك البيت انه يقع على مشارف الوديان الممتدة نحو شكا وبرغون فصارت تشكل لنا مكاناً آمناً للتدريب العسكري بعيدا عن الانظار في الليالي .

وكان يتولى اعمال التدريب الامين خليل فارس والرفيق يوسف الايوبي الذي خرج من السجن اثر الانقلاب ثم عاد واستشهد في اول بداية الاحداث سنة 1975 ، كما لحقه الى الشهادة الامين خليل في تشرين من سنة 1986 ,

في تلك الفترة اعاد الحزب القومي اصدار جريدة ” البناء “ بشكل اسبوعي وكنا نوزع منها كل يوم سبت كمية كبيرة تصل الى 400 عدد ، كما كنا نقوم بنشاطات شعبية مشتركة مع منفذيات الشمال ،

وهي كانت ناشطة جداً ، ففي طرابلس كان يتولاها المحامي احمد هاشم ومعه زهير دبوسي واسماعيل بهجت وعبد الستار موسي والامين سليم صافي وفي المنية عبد القادر علم الدين وفي زغرتا بطرس العريجي و يوسف زيدان ونجيب اسكندر وجوزيف نكد،

وفي عكار الاستاذ ميشال الاشقر ومعه ابو عبود مطانيوس جريج والياس نصر وسليمان الورد وعبدالله وهبي ،

وفي البترون كان المنفذ بشارة الحاج ومعه ضاهر يزبك وفؤاد حرب و عبدالله زخريا وعبد السلام الايوبي وكثيرون منهم قد منحوا لاحقا رتبة الامانة عن جدارة واستحقاق .

اقف اليوم متذكرا تلك الايام والناس الطيبين المناضلين الشرفاء الاوفياء واتمنى ان اذكر اسماءهم وانشر صورهم مع نبذة عن كل واحد منهم ، لكن المجال هنا لا يتسع بل ربما اذا اصدرتُ كتاباً لهذه الذكريات استطيع ان اضع بعضا من صورهم وكلمات تفيهم حقهم بالذكر والخلود .

هكذا نحن عابرون في موكب الحياة والنهضة القومية وستأتي بعدنا اجيالٌ تكمل المسيرة حتى تحقيق الاهداف السامية لهذا الحزب الذي تحدى التاريخ وقال انه سيغير وجهه ويبني تاريخاً جديدا راقياً للأمة وللعالم العربي ومستقبلاً سلامياً للإنسانية جمعاء .
الى اللقاء في الحلقة القادمة واسلموا للحق والجهاد .

Memoir of Kamal Nader. Part 11

ذكريات الجمر والرماد .11.

في منفذية الطلبة كثر عددنا بشكل كبير فتم فرزها الى منفذيتين ، واحدة للثانويين والثانية للجامعيين ولكل منهما هيئة كاملة وهما تحت اشراف مكتب الطلبة ،

ففي ذلك الوقت لم تكن هناك عمدة للتربية ولا عمدة لعبر الحدود بل مكتب لهذا الاختصاص ومكتب لذاك وكلاهما تحت اشراف عمدة الداخلية منعاً لتضارب الصلاحيات .

وكان يومها الامين الرائع كامل حسان عميدا للداخلية وهو من اروع من تولى هذه العمدة في تلك الفترة الدقيقة حيث يجب اعادة تنظيم الفروع بعد الخروج من مرحلة العمل السري التي سبق ان وصفتها لكم .

كما كان الامين كامل رئيساً لمجلس العمد ويقوم مقام الرئيس في حال سفره أو شغور المركز . وبكل تواضع كان يعمل اكثر من 15 ساعة في اليوم ، ومكتبه غرفة صغيرة في مركز الحزب في شارع ” فردان ” وليس عنده طاقم عديد في العمدة حتى انه كان يطبع القرارات والتعاميم بنفسه على آلة ” دكتيلو ” يدوية لكنه كان اسرع من الكومبيوتر اليوم .

وكان حازماً وجاداً في الادارة والنظام مع محبة قومية اجتماعية راقية كنا نلمسها في طريقة التعامل معنا حتى عندما يضطر الى قرار فصل او عقوبة فانه يصدرها بقوة مشفوعة بمحبة وحرص على تربية المخطئ واعادته الى خط النظام الصحيح .

اما منفذية الطلبة الجامعيين فكانت مؤلفة من خمسة كوادر ممتازين اذكر منهم المنفذ العام يوسف سالم وناظر التدريب جبران عوّاد وناظر الاذاعة فهيم داغر . كانت هيئة نشيطة جدا تدير عدة مديريات كبيرة العدد تتوزع في كليات الجامعة اللبنانية والاميركية واليسوعية والعربية ، وتلك هي الجامعات في ذلك الزمان وليس مثل اليوم حيث توجد في لبنان حوالى 40 جامعة .

كانت التحركات الطلابية ناشطة جدا ، مظاهرات ، ندوات ، محاضرات ، اشتباكات بالايدي مع احزاب اخرى ، وكانت المدريريات تساند بعضها في الساعات ” العصيبة ” فترى النفير يدق في ” الحقوق ” وبقية الكليات لمساندة شباب ” ألاداب ” ، فيتوافد القوميون الى مكان الاشكال وغالباً ما يحسمونه قبل ان تتدخل القوى الأمنية .

اما التظاهرات فكان معظمها للمطالبة بتطوير الجامعة اللبنانية وزيادة كلياتها خاصة في العلوم التطبيقية كالهندسة والطب ، وتحسين مبانيها وتأمين الكادر التعليمي المتفرغ لها .

وفي الشؤون السياسية كنا نتظاهر لمناهضة الطائفية ولتطوير النظام السياسي ، ودعماً لفلسطين ولمنظمة التحرير ومنع ضربها خاصة مع ظهور خلافات حادة بينها وبين المملكة الاردنية والتي تطورت الى اشتباكات والى مجازر ايلول السوداء سنة 1970 .

وفي الشؤون المعيشية والاجتماعية كنا نساند مطالب العمال والمزارعين ونناهض الحرمان والظلم الاجتماعي والاستغلال ونطالب بالعدل الحقوقي والمعيشي وبتوسعة خدمات الضمان الاجتماعي وحمايته من الاستغلال .

كان نظامنا الداخلي في منفذية الطلبة صارماً جدا وهناك لائحة من الممنوعات التي يمكن ان تؤدي مخالفتها الى الفصل. فالاركيلة والمسبحة ممنوعة لأنهما عادات عثمانية تركية ، واللباس الخلاعي المستورد ممنوع لأنه يعني الميوعة وهو مع امور اخرى في عالم الموسيقى والفن وصرعات ” الهيبيين ” و ” البيتلز ” مستوردة من امريكا والغرب لتسميم نفسيات الشباب ونشر الفساد فيهم ،

بينما يجب ان يكون القوميون الاجتماعيون معروفين من مشيتهم ومن مظهرهم واخلاقهم بين الناس ولا يلجأون الى التقليد السطحي والاعمى للموضة المستوردة . ولم يكن الجلوس في المقاهي لوقت طويل مستحباً لأنه اضاغة للوقت اما القمار فجريمة يعاقب مرتكبها بشدة .

لم يكن للحزب موارد مالية كبيرة فكانت الاشتراكات تجبى لتأمين بعض اللوازم وليس هناك متفرغون يقبضون معاشات بل كلها امور تتم بالتطوع بدون مقابل مالي . حتى اذا ذهبنا الى مخيم تدريب ندفع اشتراكات لتأمين الحاجات اللوجستية والطعام .

في تلك السنوات 69 و70 قمنا بعدة رحلات الى بيت الدين والبقاع الغربي وراشيا ، والى نهر العاصي ، وكانت الاعداد كبيرة جدا ، يرافقنا فيها غسان مطر باشعاره الثورية المتجددة ‘ خاصة قصيدة ” رحمات الله عليه ابي ” وقصيدة ” شرايين الثورة ” و” الجرح النازف ” والتي جمعها فيما بعد ضمن ديوان عنوانه “ احبك يا حزيران ” ولا انسى ايضا قصيدة ” الراهبة ” وغيرها من روائع الشعر .

كما كان صوت حياة الحاج الفيروزي الجميل يزين الرحلات والحفلات وتطل علينا ادال نصر بصوتها الصافي والجبلي القوي في اناشيد ” موطني ” و “على الوادي ” و ” يا فاتح درب القمة بخيمة صنين ” وغيرها من الاناشيد والاهازيج واغلبها من نظم الامين عجاج المهتار .

كما كان يرافقنا فوزي عبد الخالق بشعره الزجلي … على ان قصائد خالد زهر في مهرجانًي اول اذار وعيد العمل قد الهبت العقول والمشاعر والايدي وصارت بعض مقاطعها تدور على كل لسان .

وفي تلك السنة تعرفت لأول مرة على الامين محمود عبد الخالق بقامته الطويلة والكبيرة وظلت رفقتنا طيلة هذه السنين الى حين وفاته سنة 2018 .

يبدو ان المقالة قد صارت طويلة فنترك البقية الى الحلقة التالية .

الى اللقاء واسلموا للحق والحياة وللنهضة وللوطن .


adonis49

adonis49

adonis49

January 2020
M T W T F S S
« Dec    
 12345
6789101112
13141516171819
20212223242526
2728293031  

Blog Stats

  • 1,367,223 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.adonisbouh@gmail.com

Join 696 other followers

%d bloggers like this: