Adonis Diaries

Posts Tagged ‘سعيد تقي الدين

Biography of one of the most intelligent and dedicated Syrian officer: Ghassan Jdeed

I have previously posted an article on late assassinated Ghassan Jdeed. This one is a more detailed biography.

Image may contain: 1 person

الحزب السوري القومي الأجتماعي – الزعيم انطون سعادة

الرجل العظيم لاينتهي بمأتم..والسؤال الكبير لاتجيبه الكلمات/رفيق الشهيدفي قيادة الحزب:سعيد تقي الدين.….عند تشييع الشهيد..اقترب شيخ معمم يعذي الرفيق سعيد قائلا:غسان في الجنان؟! فأجبه بألم:غسان في الأركان،كانت أفضل.
الـرفـيـق الـشـهـيـد غـسـان جـديـد 1920 – 1957 #ssnp

الحديث عن الرفيق #الشـهيد غسـان جديد : في الجيـش #الشـامي ، في مقارعة العدو الاسـرائيلي ، في الصـراع القـومي الاجتمـاعي ، لا ينتهي بمقـالة ، أو في كتـاب . عنـه يجـدر ان يحكـى الكثيـر وأن تـؤرخ سـيرته الغنيـة بالبطولات والمآثر .

مقالـة اليـوم ، عن كتـاب #الرفيق جـان دايـة ” غسـان جديد المسـألة الفلسـطينية ” كـان صدر عن دار سـوراقيا للنشـر عام 1990 ، وننشـرها لفائدة الاطلاع على جانب صغير من حضور كبير لقائد فـذ .

إن الأمم المتقدمة تكرّم قادتها الراحلين بتأمين حضور دائم لهم ، مهما طالت مدة غيابهم ، وذلك عبر الإستفادة من آرائهم المبدعة وسيرتهم القدوة ، فضلاً عن إقامة التماثيل لهم في الساحات العامة ، وعقد الدراسات والندوات حولهم .

ولكن أمتنا المتخلّفة ، لا تكتفي بأن تلقي ظلالاً كثيفة على قادتنا بعد موتهم أو أستشهادهم .. بل هي تصرّ على تشويه سيرتهم وتقزيم بطولاتهم وإلصاق تهمة الخيانة بهم ، خلال حياتهم وفي ذروة تضحياتهم وإنجازاتهم الفكرية والعملية .

وليس من المبالغة القول بأن تشويه سمعة قادتنا في البداية ، ثم إلقاء ظلال التعتيم عليهم بعد ذلك . . قد ساهما بصورة رئيسية في تقهقرنا ، وأخّرا من ولوجنا عالم الرقي والحضارة ، في الوقت الذي قطعت أمم عديدة أشواطاً بعيدة في مضمار العلم والرقي المجتمعي ، رغم أنها لا تتمتع بالمقدار نفسه من المؤهّلات والمواهب التي تزخر بها أمتنا .

من هؤلاء القادة الذين شوّهت سمعتهم وادخلوا عالم النسيان ، غسان جديد . لعل افجع ما تنطوي عليه مأساة هذا القائد الراحل ، أنه خاض حرب #فلسطين عام 1948 وسجّل بطولات وإنتصارات كبيرة وعديدة . . ليغتاله شاب فلسطيني ، بعد أقل من عشر سنوات ، بحجة أنه ” عميل اسرائيلي ” !

* * *

كانت فلسـطين محوراً رئيسـياً لجهاد غسّـان جديد #العسـكري والدبلوماسـي ، فضلاً عن نتاجه الفكري .

في مطلع العام 1948 ، ترك غسـان مهمة التدريب في الكلية العسـكرية السـورية ، ليلتحق في جيـش الانقاذ الذي كان يرأسه فوزي القاوقجي . لم ينصهر المتطوعون المدنيّون والعسـكريّون في بوتقة جبش الانقاذ ، كما تقتضي القوانين والأصول العسكرية ، بل ظل كل فريق مستقل في قيادته ومحافظاً على هويته التي ترتبط بالمنطقة التي ينتمي أعضاؤه اليها . ولعل ذلك ساهم في خسارة الحرب ، إلى جانب عوامل أخرى لا مجال لذكرها .

كان غسّان قائداً ” للفوج العلوي ” في جيش الانقاذ . ولكنه كضابط في الجيش السـوري ، قاد فوجه ضمن إطار جيش الانقاذ ، وبالتنسيق الكامل مع القائد الأعلى فوزي القاوقجي . .

ثمة مصادر عديدة تثبت بلاء غسّان في حرب فلسطين عام 1948 . لعل أهمها واكثرها دقة ما دوّنه فوزي القاوقجي نفسه في مذكراته وما نشره من برقيات تحمل توقيع ” غسّان ” .

يقول القاوقجي : ” في صباح 07/09/1948 قام اليهود بهجوم شديد على جبهة الفوج العلوي في منطقة صفد . وتلقيت من آمر الفوج الرئيس غسان جديد البرقية التالية : ” 07/09/1948 رقم 25 من غسان الى فوزي : المعركة تدور في مرتفعات العموقة . حاول اليهود الوصول الى جبل نطاح فرددناهم . لا تزال المعركة دائرة . الامضاء – غسان ” .

ولكن أين تقع عموقة ؟ ولماذا تدور المعارك على مرتفعاتها ؟ يجيب القاوقجي : ” تقع عموقة هذه ، على مسافة كيلو متر إلى الشمال الشرقي من صفد ، وتشرف مرتفعاتها على سهل الحولة ، وعلى الطريق الممتدة من طبريا إلى صفد إلى المنارة في الشمال . وكان الغرض من هذا الهجوم زحزحة جنودنا عن هذه المرتفعات ، ليؤمن لليهود تنقلاتهم على هذه الطريق من جهة ، ولستر حركات الوحدات اليهودية داخل هذه المنطقة من جهة أخرى ” .

ويضيف القاوقجي مستدركاً : ” بعد ساعة تقريباً من تسلمي برقية الرئيس غسان ، تلقيت برقية أخرى هذا نصها : 07/09/1948 رقم 26 من غسان إلى فوزي . . اشتبكنا بمعركة في منطقة ماروس ربما تتسع . الامضاء – غسان “.

وعن ماروس يورد القاوقجي الايضاح الجغرافي الستراتيجي التالي : ” ماروس هذه ، تقع على مسافة كيلومتر إلى شمالي العموقة ، ومدى الرؤية منها واسع جداً ، وهي تقابل خطوط الجيش السوري في منطقة مشمار هايردن ، ولا يفصلها عن هذه الخطوط سوى اربع كيلومترات تقريباً ، فإذا ما تيسر لنا القيام بحركة مشتركة مع الجيش السوري من هذه المنطقة ، نفصل منطقة الحولة بكاملها عن منطقة طبريا “.

وفي 09/09/1948 تلقى القاوقجي من المقدم شوكت شقير البرقية التالية : ” 09/09/1948 رقم 416 من شقير الى فوزي المعلومات عن العدو تدعو للقلق . تحشدات امام ترشيحا من مصفحات ودبابات ومدفعية . يخشى ايضاً مهاجمة تربيخا . اشتبكت هذا الصباح قوات من فوج غسان مع اليهود في الوادي قرب عين التينة . الامضاء شقير “.

ازاء خطورة وأهمية معركة ماروس ، اتصل القاوقجي بقائد الجيش الشامي حسني الزعيم ودعاه الى زيارة الجبهة من اجل اقناعه ، ميدانياً ، بمساعدة فوج غسان جديد وجيش الانقاذ بالذخيرة حتى يكون النصر كاملاً ودائماً .

ثم عاد القاوقجي مع حسني الزعيم الى دمشق حيث ” اجتمعا بفخامة الرئيس بالقصر، وكان ذلك في 13 ايلول 1948 ، وحضر هذا الاجتماع السيد جميل مردم والزعيم حسني الزعيم ورئيس الحكومة اللبنانية السيد رياض الصلح ، فشرحت للمجتمعين الموقف شرحاً وافياً ، وبينت لهم أهمية ماروس مستشهداً بقائد الجيش السوري الزعيم حسني الزعيم ، ان يسلموني قنابل هاون . ولعب الطمع برأسي فطلبت مدافع هاون ايضاً .

فالتفت الي جميل مردم مبتسماً وقال ، ولكن بشيء من السخرية : مدافع هاون ؟ هذا للجيش السوري فقط . . قلت لا بأس أكتفي بالقنابل . . فرفضوا . فاكتفيت بعشرين قنبلة فقط ، فاعتذروا .

ثم التفت الي الرئيس – شكري القوتلي – وخاطبني بحدة : “ يا أخي ليش تتحرش باليهود ، مانّك شايفهم ماسكينا بخوانيقنا روح انسحب من ماروس  .

وكان صدمة عنيفة جداً ، لم ألق مثلها في حياتي ولم أكن اتوقعها ابداً ، ليس من ناحية العتاد – لكن من ناحية العقلية . . هذه العقلية الغريبة العجيبة برؤوس ” الرؤوس “. وقلت لفخامة الرئيس بهدوء : إن معركة ماروس يا فخامة الرئيس ، لم نتقبل أن نخوضها ، إلا على أساس مصلحة الجيش السوري كما بيّن لكم الزعيم حسني الزعيم قائد الجيش . فإذا كنتم ترون لا فائدة من ذلك ولا أهمية له ، فأنا أنسحب من ماروس . وإني في حاجة الى كل نقطة دم ، وكل طلقة نبذلها في ماروس “.

بعد عودة القاوقجي إلى ساح المعركة تلقى من الرئيس غسان البرقية التالية : ” 18/09/1948 تمكن اليهود الساعة السادسة من احتلال جبل المخبي وماروس والمرتفعات . قمنا بهجوم معاكس فاسترجعنا التلال المجاورة وماروس . وانحصر اليهود في جبل المخبي . ثم هاجمناهم في الجبل ثلاث مرات ولم نتمكن من استرجاعه . هل ترسلون سرية لدعم حامية ماروس لنسحب الاحتياطي الى ميرون وصفصاف . فالتحشدات في صفد قائمة ، العتاد الألماني أوشك ينفذ . الامضاء غسان “.

ولكن شيئاً مما طلبه غسان لم ينفذ . ولعل قراءة برقية القاوقجي الى رئيس الحكومة الشامية وزير الدفاع جميل مردم تعطي الجواب الشافي . وهذا نص البرقية : ” 19/09/1948 رقم 418 من فوزي الى وزير الدفاع السوري . وجودنا في منطقة ماروس لمجرد فكرة معاونة الجيش السوري وللقيام بعمليات مشتركة اذا استؤنف القتال . ليس لهذه المنطقة أية فائدة بالنسبة لوضعنا . سيطرتنا على طريق الحولة الرئيسي مؤمنة في كل وقت اردنا . لا يمكن استرداد جبل المخبي الا اذا اشتركت القيادة السورية معنا ورأت في استرداده فائدة لها . الامضاء فوزي “.

ماذا كان جواب رئيس الوزراء ؟ يقول القاوقجي : ” ولكن كان من الطبيعي أن لا أتلقى أي جواب . ورحنا نتخذ ترتيبات دفاعية صارفين النظر عن الهجوم . على كل حال فقد قررت تأكيد استقالتي ” .

ويروي كراس ” البطل غسـان جديد ” الذي اعدّته منفذية الطلبة في الحزب السـوري القـومي الاجتماعي في ذكرى استشـهاده ، تفاصيل مجموعة من المعارك والأعمال العسكرية التي قادها غسان وكان قدوة خلال تنفيذها ، نقرأ منها الواقعة التالية : ” قبل أن تدخل جيوش الوطن والجيوش العربية الى فلسطين ، انتدب غسان جديد للقيام بعمل عسكري بطولي سماه بعض الذين عرفوا بخطته انه عمل جنوني .

كانت الخطة – والبريطانيون ما زالوا في فلسطين – أن تغزو قوة من المجاهدين أحد المعسكرات البريطانية في حيفا عن طريق يافا . واستأذن غسان جديد قائده فوزي القاوقجي ، فاذن له . تنكّر غسّان مع مئة وعشرين مجاهداً منهم زياد الاتاسي ، وابراهيم فرهود وعلي مجاهد ، بألبسة الجنود الأردنيين ، واخترقوا الطريق من جنين الى حيفا ، والمعسكرات البريطانية واليهودية على جانبي الطريق . وساروا في قلب حيفا واجتازوها الى ما تحت قرية ( الطيرة ) وقاموا بالمهمة العسكرية . وسقط المعسكر المليء بالذخائر في أيدي القوة التي لم تزد كثيراً على المئة فدائي بقيادة غسان جديد “.

* * *

انتهت معارك 1948 بانتصار العصابات اليهودية وهزيمة جيش الانقاذ وسائر جيوش العالم العربي . ولكن الهزيمة كانت سياسية لا عسكرية ،

بدليل أن معظم المعارك التي قادها غسان جديد وسائر القادة المتطوعين ، لم تكن لصالح اليهود . ولكن حكومات العالم العربي التي اشتركت في الحرب ، كانت تحوّل النصر الى هزيمة ، سواء بحجب الذخيرة عن جيوشها ، أو بإصدار الأوامر بالانسحاب من المواقع الاستراتيجية والمتقدمة .

أما حرب 1948 فلم تنتهِ . كذلك لم ينتهِ دور غسان جديد في المسألة الفلسطينية .

كان غسان برتبة ” رئيس ” أثناء الحرب . ونتيجة للدور الذي قام به في فلسطين ، رُفّع الى رتبة مقدم . ثم أصبح رئيساً للجنة الهدنة المشتركة ، وقائداً للفوج المتمركز على الحدود قبالة الحولة .

حاول اليهود تجفيف مياه الحولة . ولكن الجيش الشامي المرابط هناك بقيادة غسان ، حال دون تنفيذ مشروعهم .

عندئذ رفعت المسألة الى مجلس الأمن . فانتدبت القيادة غسان جديد للقيام بوظيفة مستشار للوفد الشامي في مجلس الأمن ، حتى يتوفر للجانب السوري الحجج الميدانية التي تثبت إعتداءات العدو . وهكذا أصدر وزير الدفاع الشامي في 02/07/1951 القرار التالي : ( الجمهورية السورية – وزارة الدفاع الوطني – 1655/ س .

الى مقام وزارة الخارجية :

يرجى ابلاغ المفوضية السورية في واشنطن ايفاد المقدم غسان جديد مستشاراً عسكرياً لدى الوفد السوري في هيئة الأمم المتحدة “.

وكان غسان ، في الوقت نفسه ، رئيساً للوفد الشامي في لجنة الهدنة المشتركة .

وهو استمرّ في هذه المسؤولية اربع سنوات متتالية . ولنقرأ هذا الكتاب الصادر عن وزارة الخارجية السورية حول مهمة غسان في اللجنة . ” الجمهورية السورية – وزارة الخارجية – الرقم س 163 / 811 التاريخ 18/06/1951 .

الى من يهمه الامر :

يرجى تسهيل مهمة المقدم غسان جديد رئيس الوفد السوري لدى لجنة الهدنة المشتركة ، والمسافر الى المملكة الاردنية الهاشمية بمهمة رسمية “. التوقيع : وزير الخارجية .

What the priest confessed?

‎غسان كركي‎'s photo.

حدثني الكاهن الذي عرفّهُ

خطاب لم ُيلقَ .أعدّ ووزع مناشير في ليل 8 تموز . استجوبني الأمن العام بشأنه في اليوم التالي . ودخل السجن بسببه عشرات الشبان . ولكنه بعد ذلك ، صار ُيلقى علناً وينشر في الصحف .
تلقاني صبيان الحي بصراخ الهزء حين ترجلت ، وراح أحدهم يتباهى مذيعاً ان التاكسي اسمها فورد ، وأعلن ترب له أنه لونها رمادي ، فيما ضج جمهورهم بإخباري ، قبل أن أسألهم ، أن الكاهن ليس هناك . بل إن أحدهم تسلق السلم وفتح باب العلية من غير أن يطرقه ثم أطل من نافذتها ضاحكاً : “أرأيت ؟ إنه غير موجود” .
ذلك لأن شياطين الحي الصغار صاروا يعرفون عمن اسأل وأصبح يروقهم أني لا أجد من أفتش عنه . ولعلهم لمحوا من تذمري ومن خيبتي ما استثار فيهم السادية ، فجاء جذلهم على نسبة ما تجلى عليّ من زعل وضياع أمل .
فلقد كانت تلك المرة الرابعة التي قصدت فيها إلى رجل الدين لأستطلعه السر الرهيب .
وفي المرة الخامسة توجهت إليه ليلاً وعلى موعد ، فكان هناك . وحالاً أمحت من ذهني صورة رسمها خيالي ، فلم أجد نفسي أمام شيخ متداع أبيض اللحية ، ولم اسمع صوتاً متهدجاً ، ولا صرعتني مظاهر الوقار وكلمات أبوة ، وجلسنا تحز مسامعي توافه الأحاديث التي تعود الناس مبادلتها فور اجتماعهم . وطالت النزهة الكلامية على شاطئ الموضوع ، وبرح بي القعود على عتبة باب جئت لأفتحه ، فوثبت إلى الهدف مقاطعاً المحدثين قائلاً : حدثني يا محترم عن ليل 8 تموز 1949 .
وغاظني من رجل الدين أنه لم بتلبس حالاً بمظاهر التهيب ، بل بدأ الكلام ، بشيء من غير الاكتراث . ولكن صوته ولهجته وخشوعه وانفعاله بل وبطاءه ، كلها تماوجت مع وقائع ما كان يرويه ، فكأنه عبقري يعزف من موسيقاه قطعة رائعة على البيانو . فدغدغت أنامله أصابع العاج أولاً بعفوية لا تبالي ، وتوالت الألحان تتأرجح وتتسامى متجانسة متضاربة متوافقة حتى بلغت ذروة موسيقى من غير هذه الدنيا . فإذا نحن في العلية نكاد لا نسمع ما يقول ، ولا نرى البيانو ولا اللاعب ولا نعي الألحان . بل شعرنا أن جدران الغرفة انفتحت وارتفعت أرضاً بمن فيها ، فإذا نحن و “سعادة” في السجن ، في الكنيسة ، في المقبرة ، في حفرة من الأرض ، في مسمع الدنيا ، بين المغتربين ، في القصور ، في المحكمة العسكرية ، في المفوضيات ، في غصة القلوب ، في عبسة المغاور ، في لوعة المعاقل ، في رصانة التهذيب ، في هدوء البطولة ، في عزة الصراع ، بين يدي الكبر ، أمام الجلادين ، في طمأنينة المؤمن ، في كهف الغدر ، حراب تطارد المجرمين ، أعلام تصفق للجيوش ، زوبعة تمحق ، وصرخة تعكس موكب التاريخ .
وتناول رجل الدين ورقة من مطاوي جلبابه الأسود الفضفاض منتزعة من دفتر مدرسي ، وهم بقراءتها ، فاعترضته وقلت : اسمعني حديثك لا تقرئني أوراقك ، ولو كانت مذكرات .
فراح يتكلم :
حين فتحت الباب على صوت القرع الشديد في منتصف ذلك الليل ، وجدت نفسي أمام ضباط من الجيش يطلبون إلي أن أرتدي ملابسي وأحمل صليبي وعدة الكهنوت بسرعة . قلت : ما الخبر ؟ أجابوا : سنعدم أنطون سعادة هذه الليلة . ونريد أن تُّعرّفه وتقوم بمراسم الدين قبل إعدامه .
قلت : إن أمراً كهذا لا يسعني أن أفعله ، آتوني بإذن من سيادة المطران ، هكذا ينص قانونناً الكنائسي . قالوا : ليس لدينا من وقت ، إفعل هذا على مسؤوليتنا نحن . فاعتذرت من جديد . وراحوا يلحون عليّ مرددين أن خرق النظام الكنائسي هو أقل ضرراً من أن يرسل مسيحي إلى الموت غير متمم واجباته الدينية .
وأخيراً أذعنت بكثير من التردد والحيرة ، وركبت سيارتهم في طرقات تعج برجال الأمن من جنود وبوليس ودرك وأسلحة مشرعة ، وأطللنا على سجن الرمل ، فإذا هو منار من الداخل والخارج ، ونزلنا حيث كان ضباط آخرون بانتظارنا .
وأقبل عليّ مدير السجن يعرفني إلى نفسه ، وأخبرني أن هذا هو الإعدام الثالث عشر الذي مر به ، وأن الأمر بسيط فأجبته : “لقد مضى عليً ثلاث عشرة سنة في الثوب الكهنوتي، وهذا أول إعدام سأشهده” وكان الطبيب الذي اشترك معنا في الحديث مثلي ، لم يشهد إعداماً في ما مضى .
وزاد مدير السجن فقال : إن هذا المحكوم الخائن أنطون هو رجل خائن ، وكافر ملحد يبشر بالكفر والإلحاد ، إنه لن يأبه لك يا أبانا هذا الخائن الملحد الكافر .
ودخلنا حيث كان الزعيم ، في حبس من الغلو نعته أنه غرفة ، فوجدناه مفترشاً بساطاً من قذارة ورقع ، وكان هذا الفراش أقصر من قامته ، فجعل من جاكيته وصلة بين الفراش والحائط كي لا ترتطم به قدماه .
وكان نائماً نوماً طبيعياً ، ورأسه على ذراعه اليسرى التي جعل منها بديلاً عن مخدة لم تكن هناك .
وأيقظناه فنهض حالاً ، وبادرنا السلام ، وخصني بقوله : “أهلاً وسهلاً يا محترم” فأبلغناه أنه لم يصدر عنه عفو وأن الإعدام سينفذ به حالاً . فشكرنا باسماً رزيناً ، واستأذن بلبس جاكيته التي كانت مطوية تحت قدميه ، فأذنوا له ، فشكرهم من جديد ، ولبسها .
وخلوت به ، وسألته إن كان يود أن يقوم بواجباته الدينية ، فأجاب : لم لا ؟ وطلبت إليه أن يعترف ، فأجاب : ليس لي من خطيئة أرجو العفو من أجلها ، أنا لم أسرق ، لم أدجل ، لم أشهد بالزور ، لم أقتل ، لم أخدع ، لم أسبب تعاسة لأحد .
وبعد أن فرغت من المراسيم الدينية ، تركنا الغرفة فكبلوا يديه ، وخرجنا إلى مكتب السجن .
هناك طلب أن يرى زوجته وبناته ، فقيل له ذلك غير ممكن ، وقدموا له ترويقة فاعتذر شاكراً ، ولكنه قبل فنجان القهوة متناولاً إياه بيمناه وأسنده بيسراه ، وكانت تسمع للقيد رنات كلما ارتطم بالفنجان .
وكان الزعيم يبتسم صامتاً هادئاً مجيلاً عينيه من وجه إلى وجه وكأنه يودعنا مهدئاً من روعنا . هنا انفجرت أنا بالبكاء ، وبكي معي بعض الضباط ، بل أن أحدهم أجهش وانتحب .
وبعد أن شرب القهوة ، عاد يصر على لقاء زوجته وبناته ، فسمع الجواب السابق .
وسئل لمن يريد أن يترك الاربعماية ليرة ليرة التي وجدت معه ، فأجاب أنها وقطعة أرض في ضهور الشوير هي كل ما يملك ، وهو يوصي بها لزوجته وبناته بالتساوي .
وطلب مقابلة الصحافيين ، فأخبروه أن ذلك مستحيل ، فسألهم ورقة وقلماً ، فرفضوا ، فقال : إن لي كلمة أريد أن أدونها للتاريخ . فصرخ به أحد الضباط منذراً : “حذار أن تتهجم على أحد ، لئلا نمس كرامتك” فابتسم الزعيم من جديد وقال : أنت لا تقدر أن تمس كرامتي ، ما أعطي لأحد أن يهين سواه ، قد يهين المرء نفسه ، وأردف يكرر : “لي كلمة أريد أن أدونها للتاريخ ، وأن يسجلها التاريخ” .
فسكتنا جميعاً ، في صمت يلمس سكونه ويسمع دويه .
أصارحك أنني كنت في دوار من الخبل ، ومن المؤكد أنني لا أعي كل ما سمعت ، ولكن الراهن أني سمعته ، سمعته يقول : “أنا لا يهمني كيف أموت ، بل من أجل ماذا أموت . لا أعد السنين التي عشتها ، بل الأعمال التي نفذتها . هذه الليلة سيعدمونني ، أما أبناء عقيدتي فسينتصرون وسيجيء انتصارهم انتقاماً لموتي ، كلنا نموت ، ولكن قليلين منا يظفرون بشرف الموت من أجل عقيدة . يا خجل هذه الليلة من التاريخ ، من أحفادنا ، من مغتربينا ، ومن الأجانب ، يبدو أن الاستقلال الذي سقيناه بدمائنا يوم غرسناه ، يستسقي عروقنا من جديد” .
ومشينا إلى حيث انتظرنا السيارات ، والزعيم ماش بخطى هادئة قوية يبتسم ، إنه لم ينفعل ، كأن الإعدام شيء نفذ به مرات عديدة من قبل . إنه لم ينفجر حنقاً أو تشفياً . أنه لم يتبجح شأن من يستر الخوف.
في تلك اللحظة وددت لو خبأته بجبتي ، لو تمكنت من إخفائه في قلبي أو بين وريقات إنجيلي . إن عظامي لترتجف كلما ذكرته .
وحين خرجت إلى الباحة رأيت إلى يميني تابوتاً من خشب . من خشب الشوح لم يخف الليل بياضه. وتطلع الزعيم إلى نعشه فلم تتغير ملامحه ولا ابتسامته .
وقبل أن يرقى الجيب ، طلب للمرة الثالثة والأخيرة أن يرى زوجته وأولاده . وللمرة الثالثة والأخيرة ، سمع الجواب نفسه . فتبينت ملامحه ، وفي تلك اللمحة العابرة فقط من عمر ذلك الليل لمحت وميض العاطفة خلال زوبعة الرجولة .
وسارت الجيب بالزعيم يحف به الضباط وخلفه تابوته ، وقافلة سيارات وشاحنات من ورائه وأمامه ملأى بالجنود المسلحة . ولعل مساً من البله اعتراني ، فبدا لي أن تنفيذ الإعدام سيؤجل ، أو أن عفواً سيصدر . سيطر عليّ هذا الوهم فخدرني ، حتى انحرفنا عن الطريق العامة إلى درب ضيقة بين كثبان . ووقفنا في فجوة بين الرمال كأنها فوهة العدم .
وقفز من بينهم ، مكبلاً ، إلى عمود الموت المنتظر ، فاقتربوا منه ليعصبوا عينيه ، فسألهم أن يبقوه طليق النظر ، فقيل له : القانون .
أجاب إنني أحترم القانون .
وأركعوه وشدوا وثاقه إلى العمود . وكأن الحصى آلمته تحت ركبته فسألهم إن كان من الممكن إزالة الحصى ، فأزالوها ، فقال لهم : ” شكراً ” ، ” شكراً ” ، رددها مرتين ، وقطع ثالثتها الرصاص .
فإذا بالزعيم وقد تدلى رأسه وتطايرت رئته ، وتناثرت ذراعه اليسرى ، فلم يعد يصل الكف بالكتف إلا جلدة تتهدل .
وكوموا الجثة في التابوت ، وتسارعت القافلة نحو المقبرة ، وهناك كادوا يدفنونها من غير صلاة لو لم يتعال صياحي . أخيراً قالوا لي : “صل ، إنما أسرع ، أسرع ، صل من قريب” .
ودخلنا الكنيسة ، ووضعنا التابوت على المذبح ، ورحت أصلي ، والدم يتقطر من شقوق الخشب ، ويتساقط على أرض الكنيسة نقاطاً نقاطاً ، ليتجمع ويتجمع ثم يسيل تحت المذبح .
وخرجنا من المعبد ، ووقفت أمام بابه أواجه الفجر الذي أطل وأناجي الله ، وأسمع رنين الرفوش ترتطم بالحصى وتهيل التراب ، وترتطم بالحصى وتهيل التراب” .
بذاك حدثني الكاهن الذي عرّفه .
أقول لك أن تراب الدنيا لم يطمر تلك الحفرة .
أقول لك أن رنين الرفوش في ذلك الفجر سيبقى النفير الداوي ليقظة هذه الأمة . أقول لك أن منارة الحياة قد ارتفعت على فوهة العدم .
بقلم الأديب الكبير : سعيد تقي الدين

See More


adonis49

adonis49

adonis49

October 2020
M T W T F S S
 1234
567891011
12131415161718
19202122232425
262728293031  

Blog Stats

  • 1,426,957 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.adonisbouh@gmail.com

Join 774 other followers

%d bloggers like this: