Adonis Diaries

Posts Tagged ‘Antoun Saadi

 

تحيا سورية،
إضاءة اليوم:

[…] قامت الأعمال السّياسيّة في الماضي على روح الطّائفيّة والتّكتّل الطّائفيّ، وظلّ سياسيّو العهد العتيق يتّخذون النّعرة الدّينيّة سلّماً لنفوذهم وأغراضهم، حتّى نشأ الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ من دماغ فردٍ خَرجَ منذ نعومة أظفاره على العصبيات الدّينيّة والرّوح الطّائفيّة، ووجّه دعوته إلى جميع أبناء الأمّة وبناتها لا فرق بين درزيٍّ ومسيحيٍّ ومحمّديّ. وسار الحزب سرّاً يجمع الصّفوف في غفلةٍ من رجال الدّين والإقطاع وذوي النّفوذ السّياسيّ المبنيّ على النّعرة الدّينيّة، حتّى انكشف أمره للحكومة وأُزيح السّتار عن وجوده ودعوته. فهبّ سياسيّو الطّائفيّة والرّجعة الدّينيّة من رقادهم مذعورين لأنّ لهيب الثّورة الفكريّة قد امتّد إلى ما في أيديهم وأخذوا لساعتهم يقاومون حدّة النّار بكلّ قوّتهم وبجميع ما بقي لهم من الوسائل. […]
[…] قام ذوو النّعرة الدّينيّة في لبنان يقولون إنّ الحزب هو ضدّ المسيحيّة والمسيحيّين، وإنّه بطلبه الوحدة السّوريّة يريد وضع المسيحيّين تحت رحمة المحمّديّين، وقام زملاؤهم في الشّام يقولون إنّ الحزب هو ضدّ المحمّديّة والمحمّديّين وضدّ العروبة المصاحبة للمحمّديّة. ولكي يحقّق كلّ فريقٍ دعواه عمد إلى التّأثير على أبناء ملّته المنخرطين في سلك الحزب ليخرجوا منه فيؤيّد دعواه أمام الجّماهير ففي لبنان تعهّدت بالحملة جمعيّة الجزويت ومقام البطريركيّة المارونيّة وبعض المطارنة الموارنة والأرثوذكس ورجال الأحزاب السّياسيّة المسيحيّة والمحمّديّة، وفي الشّام قام رجال النّفوذ الإقطاعيّ والطّائفيّ بهذه المهمة يدعمهم عددٌ من الشّيوخ المعمّمين. فكانت تُعقد المجالس العائليّة والدّينيّة للضّغط على المنضمّين إلى الحزب السّوريّ القوميّ الاجتماعيّ ليخرجوا منه، كما فعل الدّكتور توفيق شيشكلي في حماه مع الرّفيق القوميّ الاجتماعيّ الدّكتور وجيه البارودي ومع الرّفيق المحامي الأستاذ أكرم حوراني، فعُقدت لهما المجالس الطّائفيّة الّتي قامت تُنكر عليهما انضمامهما إلى هذا الحزب الّذي زعيمه «مسيحيّ» وتُندّد بهما، الأمر الّذي اضطَرَّ منفّذيّة حماه لنشر كرّاسٍ تُفنِّدُ فيه دعوى الّذين يدّعون أنّه لا يجوز، دينيّاً، لمحمديٍّ أن يقبل تولية الأمر أحداً من «أهل الكتاب»، وكما جرى في مدارس البطريركيّة والمعاهد الخيريّة الإسلاميّة في بيروت وفي جميع المدارس الخاضعة لأيّ نفوذٍ دينيٍّ مسيحيٍّ أو محمّديّ. ومن الدّروز كانت مقاومة المشايخ «الزّرق» واسعة ولكن بدون إجماع، إلّا «نادي الإصلاح الدّرزيّ» المؤلّف من أشخاصٍ يطلبون النّفوذ السّياسيّ عن طريق الطّائفيّة. ولكنّ سعاده كان قد سبقهم شوطاً كبيراً فسدّت العقيدة القوميّة الاجتماعيّة الواضحة الأبواب في وجوههم، فلم يُفلحوا إلّا مع الّذين لم يكن لهم اتّصالٌ وثيق بالحركة السّوريّة القوميّة الاجتماعيّة وعقيدتها، فَصَوَّروا لهم هذه الحركة بصورة الغول المفترس بنيه. […]
سعاده

“جوابٌ مفتوحٌ إلى صاحب العلم العربيّ”
“الزّوبعة”، بيونس آيرس، العدد 57، 1942/12/1
#إضاءة_اليوم

What are your positions and opinions on Literature/Culture?

A review of the positions of Antoun Saadi for the new struggle of ideas in the Syria Nation

من كتاب الصراع الفكري في الأدب السوري
طريق الأدب السوري

بهذا الاتجاه الجديد يمكن أن يترافق الأدب والحياة، فيكون لنا أدب جديد لحياة جديدة، فيها فهم جديد للوجود الإنساني وقضاياه التي نجد فيها الفرد والمجتمع وعلاقاتهما ومُثُلهما العليا كما تراها النظرة الجديدة الأصلية إلى الحياة والكون والفن. إن الأدب الصحيح يجب أن يكون الواسطة المثلى لنقل الفكر والشعور الجديدين، الصادرين عن النظرة الجديدة، إلى إحساس المجموع وإدراكه، وإلى سمع العالم وبصره فيصير أدبًا قوميًّا وعالميًّا ، لأنه يرفع الأمة إلى مستوى النظرة الجديدة، ويضيء طريقها إليه، ويحمل، في الوقت عينه، ثروة نفسية أصلية في الفكر والشعور وألوانهما إلى العالم.

لا يمكن أن ينهض الأدب عندنا، ولا أن يصير لنا أدب عالميٌّ يسترعي اهتمام العالم، وتكون له قيمة عالمية باقية، إلا بهذه الطريقة، ولنفترض أنه يمكن إنشاء أدب جديد، أو إحداث «تجديد» في الأدب، من غير هذا الاتصال الوثيق بينه وبين النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن، فما هي الغاية أو الفائدة منه وهو شيء غريب بعيد عن نفس الجماعة وقضاياها الفكرية والشعورية، أو عن قضايا الإنسانية، كما تمثل ضمن حياة الجماعة المعينة وحيز فكرها وشعورها، في أرقى ما يمكن أن يصل إليه هذان العاملان النفسيان؟

إن الأدب الذي له قيمة في حياة الأمة، وفي العالم، هو الأدب الذي يُعنى بقضايا الفكر والشعور الكبرى، في نظرة إلى الحياة والكون والفن عالية أصلية، ممتازة، لها خصائص شخصيتها. فإذا نشأت هذه النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن أَوْجَدَتْ فهمًا جديدًا للقضايا الإنسانية، كقضية الفرد والمجتمع، وقضية الحرية، وقضية الواجب، وقضية النظام، وقضية القوة، وقضية الحق وغيرها. وبعض هذه القضايا يكون قديمًا فيتجدد بحصول النظرة الجديدة إلى الحياة، وبعضها ينشأ بنشوء هذه النظرة. فالحرية، مثلًا، كانت تُفْهَمُ قبل النظرة الجديدة إلى الحياة في أشكال واعتقادات لا وضوح ولا صلاح لها في النظرة الجديدة، فلما جاءت النظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن، التي نشأت بسببها الحركة السورية القومية الاجتماعية، وقرنت الحرية بالواجب والنظام والقوة، وفَصَّلَت الحرية ضمن المجتمع وتجاه المجتمعات الأخرى هذا التفصيل الواضح الظاهر في تعاليمها، نشأت قضية جديدة للحرية ذات عناصر جديدة يبيِّنها فهم جديد، يتناول أشكال الحياة كما تراها النهضة القومية الاجتماعية، وفعل الحرية وشأنها ضمن هذه الأشكال.

والحب كان قضية شهوات جسدية ملتهبة، لها شكل مادي يظهر في العيون الرامية سهامًا، وفي خمر الرضاب، وفي ارتجاف الضلاع، وتَثَنِّي القدود، فصار قضية جمال الحياة كلها، واشتراك النفوس في هذا الجمال. عُرِضَ علي، مرة، سجل أمثال وأقوال، فرأيت فيه قولًا مفاده أن الصداقة أجمل ما في الحياة، فكتبت في صفحة منه: «الصداقة هي تعزية الحياة، أما الحب فهو الدافع نحو المثال الأعلى.» ومهما يكن من أمر رأيي في الصداقة، فرأيي في الحب يدخل في قضية الحب الجديدة، فالمثال الأعلى هو ما تراه نظرة إلى الحياة والكون والفن واضحة، معينة، والحب الواعي هذه النظرة يتجه دائمًا نحو مثالها الأعلى، ويرمي إلى الاقتراب منه، في كل اختلاجة من اختلاجاته. إن قضية كون الوصال غاية المطالب العليا النفسية هي قضية قد ماتت للنظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن، وحلت محلها قضية كون الحب اتحاد فكر وشعور، واشتراك نفوس في فهم جمال الحياة، وتحقيق مطالبها العليا.

لقد نشأت نظرة إلى الحياة والكون والفن جديدة في سورية، ونتج عنها مجرى حياة جديد لتيارات النفس السورية، التي كانت مكبوتة ومحجوزة. فهل يتنبه لهذه الحقيقة أدباء سورية، وخصوصًا شعراؤها، ويُلَبُّون هاتف الدعوة، ويشتركون في رفع الشعب السوري إلى مستوى النظرة الجديدة ومُثُلها العليا، ويوجِدون هذا الأدب الغني بالقضايا الفكرية والشعورية، التي كانت كامنة في باطن نفسيتنا، حتى ظهرت في النظرة الجديدة إلى الحياة؟

لا شك عندي في أن هذا ما يحدث الآن عند جميع الأدباء، الذين اتصلوا بالنظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن، وفهموا قضاياها الكبرى في الحقوق والسياسة والاقتصاد والاجتماع، وفي الأخلاق والمناقب والمثل العليا، وإني موقن بأن هذا ما سيحدث لجميع الناشئين على اتصال وامتزاج بهذه النظرة المحيية، ولكني أشك في أمر الأدباء الذين نشئوا قبل ظهور النظرة الجديدة إلى الحياة، وظلوا بعيدين عن مراميها وقضاياها الكبرى، وغير متصلين بمجرى الحياة الجديد، الذي وَلَّدَتْهُ هذه النظرة، أو الذين، مع إحساسهم بمجرى الحياة الجديد، لم يجدوا في نفوسهم قوًى كافية لنقلهم من حيز نظرة إلى حيز نظرة أخرى، ومن اتجاه مجرًى إلى اتجاه مجرى آخر.

بعض العلل المانعة لهؤلاء الأدباء من الأخذ بالنظرة الجديدة إلى الحياة والكون والفن، واضحٌ في النزعة الفردية التي دللت عليها في كتاب السيد يوسف المعلوف إلى نسيبه الشاعر، شفيق معلوف، إذ يقول له: «اعتن في مؤلفاتك المقبلة أن تكون مبتكرًا فيما تنزع إليه، سواء كان بالفكر أو بالعمل، وأن تكون مقلَّدًا لا مقلِّدًا في سائر أعمالك؛ لأن على هذه القاعدة الأساسية تتوقف شهرة المرء في الحياة.» وقد بينتُ في صدر الدرس غلط هذا التفكير الذي يجعل الشهرة الشخصية غاية الفكر والعمل في الحياة. وأَزِيدُ هنا أن العمل بهذه «القاعدة الأساسية» التي وضعها عم الشاعر المذكور يئول إلى هدم الحقائق الأساسية التي يجب أن تكون بُغْيَةَ كل تفكير تعميري وكل شعور حي، جميل، لأنه متى صار كل نابه يسعى ليكون مقلدًا، فكم تكون التفرقة والفوضى عظيمتين بين المتزاحمين على «الابتكار» بقصد الشهرة والاستعلاء على زملائهم، الذين يصيرون أندادًا؟ ألا يبلغ بهم التزاحم والمناقضة حد العداوة والبغضاء والحسد المستورة بظواهر شفافة من الرياء والتدجيل في المظاهر والمطالب؟

قلت في ما تقدم: إن شفيق معلوف قَبِلَ القاعدة الفردية التي وضعها عمه، ولكنه لم يتقيد بها كل التقيد؛ لأنه احتاج إلى تبرير مجاراته سواه في شعره فقال: «ولئن طرقت بابًا ولجه سواي فهل في كل ما تتناوله القرائح ما يطرق الناس بابه؟» وقلت أيضًا إن شفيق معلوف كاد يصل، من هذه الناحية، إلى طَرْق باب ينفتح عن أفق تنبلج فيه أنوار فجر تفكير أصلي جديد، ولا يقصر إلا خطوة، أو قفزة واحدة ليلج هذا الباب. فما هي هذه الخطوة أو القفزة، وكيف تكون؟

سبق لي القول: إن الخطوة المطلوبة تفصل بين عالمين، وقد تحتاج لعكاز؛ ذلك لأنها تنقل صاحبها من نفسية إلى نفسية، ومن نظرة إلى نظرة، فيصير لها عالم جديد بأشكاله وألوانه وغاياته ومُثُله. الخطوة أو القفزة المطلوبة تكون باستعمال جميع القوى النفسية لِرُقِيِّ عالم النزعة الفردية والغايات المادية، وترك جعل حب إبراز الشهرة الفردية غاية أخيرة للفرد، والقفز إلى عالم ابتغاء الحقيقة الأساسية الكبرى، التي يستقر عليها الفكر، ويطمئن إليها الشعور، واتباعها حين توجد، سواء أوجدت بالاهتداء الذاتي أم بهدي هاد، هي حقيقة الفرد والمجتمع، وحقيقة النفسية السامية التي انتصرت على قيود المادية المجلجلة في الحضيض، وحلقت إلى السماء — السماء، التي لا تخلو من ألم وعذاب، ولكن ألمها وعذابها ليسا من أجل الشهوة المتلظية في المهج، بل من أجل ما هو أسمى من ذلك بكثير — من أجل ما لو أُطفئ لظى الشهوة الجسدية، وقضت النزعة البيولوجية وطرها لَظَلَّ لظاه يلذع النفوس ويعذبها حتى تجد له تحقيقًا — من أجل خذل الأقبح والأسفل والأرذل والأذل، ورفع الأجمل والأسمى والأنبل والأعز، فلا تكون هنالك اختلاجات حب إلا ضمن دائرة هذا الوعي، الذي يرفع قيمة الإنسانية طبقات جوية فوق القناعة براحة النزعة البيولوجية ذات الارتباط المادي، الغافلة عن المطالب النفسية الجميلة في نظرة شاملة الحياة والكون والفن.

القاعدة الذهبية، التي لا يصلح غيرها للنهوض بالحياة والأدب، هي هذه القاعدة: طلب الحقيقة الأساسية الكبرى لحياة أَجْوَدَ في عالم أجمل وقيم أعلى. لا فرق بين أن تكون هذه الحقيقة ابتكارك، أو ابتكاري، أو ابتكارَ غيرك وغيري، ولا فرق بين أن يكون بزوغ هذه الحقيقة من شخص وجيه اجتماعيًّا ذي مال ونفوذ، وأن يكون انبثاقها من فرد هو واحد من الناس؛ لأن الغرض يجب أن يكون الحقيقة الأساسية المذكورة، وليس الاتجاه السلبي الذي تقرره الرغائب الفردية، الخصوصية، الاستبدادية.

وقد قرب شفيق معلوف كثيرًا من هذه القاعدة في جوابه إلى عمه، ولكنه وقف خطوة دونها، فإذا هو خطاها تم له هذا الانتقال الفاصل من عالم إلى عالم، واستغنى عن نصائح عمه، التي تحتاج لغربلة متكررة، وعن إرشادات أمين الريحاني الغامضة، الخاوية، التائهة، وعن تَخَبُّط الأدباء السوريين والمصريين في «التجديد» وكيف يكون.

أعتقد أن لشفيق معلوف هذا الاستعداد العقلي-الروحي، لإدراك القاعدة المذكورة آنفًا، والغاية النفسية التي يقوم عليها أدب خالد. فهو قد وقف قريبًا جدًّا من هذا الإدراك الذي وقف معظم شعراء سورية ومصر وأدبائهما بعيدين جدًّا عنه. وهو الإدراك الوحيد الذي يمكن أن يجد مستقرًّا في النفوس وفي الأجيال. وكان اقتراب شفيق معلوف واضحًا في قوله: «إذ ليس الشاعر، في عرفي، من ضج له الجيل الواحد، حتى إذا تبدلت الأوضاع واختلفت الأحوال تناسته من بعده الأجيال.» وهذه منزلة لا يمكن بلوغها إلا بالاتصال بنظرة جديدة إلى الحياة والكون والفن، مشتملة على حقيقة أساسية صالحة لإنشاء عالم جديد من الفكر والشعور، إذا لم يكن هو العالم الأخير، الأسمى على الإطلاق، عند المشككين، فهو عالم فوق العوالم الماضية، ودرجة لا بد منها لاطراد ارتقاء الإنسانية النفسي؛ ولذلك هو عالم خالد، لأن ما سيأتي بعده في الآباد البعيدة سيصدر عنه ويثبت نفسه عليه، أو، على الأقل، ستكون النفوس التي ارتقت إلى هذا العالم الجديد مستعدة لاقتبال عالم أَجَدَّ، إذا كشفت مخبآت الأبد إنه سيكون ممكنًا إحداث ذلك العالم، الذي لا يمكننا، الآن وإلى أمد بعيد، تصور موجباته وحقائقه وقضاياه، ولكننا نتصور، بموجب مبدأ الاستمرار والاطراد الفلسفي، الذي أضعه نصب عيني في فهمي الوجود الإنساني، أنه لا بد من أن يكون ذا اتصال وثيق بعالم نظرتنا الجديدة وحقائقه وقضاياه، كما أننا نرى، بموجب هذه النظرة، أن عالمها ليس شيئًا حادثًا من غير أصل، بل شيئًا غير ممكن بدون أصل جوهريٍّ تتصل حقائقه بحقائقه، فتكون الحقائق الجديدة صادرة عن الحقائق الأصلية القديمة بفهم جديد للحياة وقضاياها والكون وإمكانياته والفن ومراميه.

ها قد بلغتُ غايةَ ما أردت توجيه فكر أدباء سورية وشعورهم إليه، في هذا الدرس المستعجل المقاطع مرارًا عديدة في سياقه، ورجائي إليهم أن لا يظنوا أن ما دفعني إليه هو محبة سبقهم إلى «الابتكار» أو رغبة في أن أكون «مقلدًا». إن ما دفعني إليه هو محبة الحقيقة الأساسية، التي وصل إليها تفكيري ودرسي، وأوصلني إليها فهمي، الذي أنا مديون به كله لأمتي وحقيقتها النفسية، وشعرت بالواجب يدعوني لوضعها أمام مفكِّري أمتي وأدبائها، وأمام أمتي بأجمعها، من أجل ما هو أبقى وأفضل وأسمى لحقيقة الأمة، وهي حقيقة تساعد كل مفكر وأديب على تثبيت شخصيته ضمنها والبقاء فيها، وتمكن الأمة من أن يكون لها أدب عالمي تبقى فيه شخصيتها وتخلد.

انطون سعادة

Image may contain: one or more people, people standing and suit

“Are there moderate Muslims?”

Posted on September 25, 2008 (and written in Oct. 26, 2207)

Note: This lengthy article was meant to be exhaustive. If you want me to split it in two articles, I will be ready to do it.

It coincided that I was reading chapters of two books concomitantly “Quand l’Amerique refait le Monde” by Ghassan Salameh (Salami) and “L’Apocalypse” by Oriana Fallaci  when I realized that the topic of current Islamic fundamentalism is wreaking havoc on the disposition of many western people.

Mostly, the western people tended to be liberal in many issues but could no longer reconcile a liberal attitude toward Islam: Mainly the reality of the virulent traditional Islamic behaviors toward strict adoption of the Koranic laws that regulate the daily life for the Muslims and trying to circumvent the civil laws in Europe.

Ghassan Salameh has investigated the genesis of the new trend in the US ruling government toward Islam after the Twin Towers September 11 attack and which was based on the studies of a few “prestigious” American academics on Islam. 

Salame stated that the neo-conservative elements in the Bush administration have adopted Bernard Lewis as their guru in matters related to Islam and the anti-Muslim movements. 

Professor Lewis was fascinated and excited in the 1950s with everything related to Islam and then turned sour, negative and dissatisfied with the Islamic World: he repeatedly claimed in his studies that the Muslims have a rage and a strong tendency to hate the Western Nations as a product of their sense of inferiority complex toward the West and propagated the concept of an invasion to saw the grains of democracy in the Near East.

After the September 11 attack on the Twin Tower, the neo-conservatives like Perle, Wolfowitz, Abrams, and Gaffneys directed the debate toward the confirmation of pre-emptive offensive against the infantile specie of the political regimes in the Muslim World.

The spreading notion of an ineluctable conflict of Islam with the USA.  Pipes went as far as eliminating any cause for using cultural instruments in the arsenal of the war.

It is obvious that Oriana Fallaci has made up her mind that there are no moderate Muslims, unless they are Muslims by birth but No longer practicing  believers: simply because the Koran is the Koran and there is no way to interpret the Sourates to coincide with civil laws in the western nations. 

Actually, the late Oriana Fallaci was a staunch liberal but could not swallow the latest slaughtering of foreign prisoners by extremist Muslims and how Muslim immigrants are flaunting the civil laws in Europe.

Fallaci insists that the word “terrorism” is not good enough; the mass media should remain consistent and say “Islamic terrorism”; a term that would satisfy the terrorist Zionists immensely. 

Fallacy relied on St. John’s apocalyptic vision where a Monster with seven heads and ten horns would emerge from the sea and then the Beast on land would execute all the Monster’s orders. Thus, the Monster is Islam and the Beast is represented by the European liberals and leaders who are trying to appease Muslims and exhorting them to moderation by dangling carrots instead of raising the heavy sticks.

I was surprised by the coincidence to read that Oriana Fallaci also adopted the views of Bernard Lewis on Islam and considered him as the ultimate authority for truth on Islamic matters.

Apparently, the then 80-years old Lewis and growing more senile by the by, gave an interview to a German daily where he lambasted the West for not believing that radical Islam is the main enemy, instead of the new fascists. Lewis is hammering the notion that all of Europe is going to be Islamist by the year 2100. (If mankind survive till then)

Thus, there is a disposition to fit theories that antagonize the Muslim World by accepting as evidence the many terrorist acts perpetrated by extremist Muslims.

The vehement attitude of Fallaci toward Islam stems from two premises:

First, all of the terrorist attacks in the World are perpetrated by Muslims, (obviously wrong and faked wishes) and

Second, the practices of Muslims’ behavior in the Western World are based on the teaching of the Koran which cannot be reconciled with the rational civil laws in the western countries they live in. (How these laws are biased to the privileged elite classes are Not broached)

The first premise may be true if we rely solely on the media accounts that, almost exclusively and consistently, show that the current terrorist attacks in the Western World, such as USA, Spain, Britain, France, Germany, Russia, and Holland where “terrorism had struck”, were done by Muslims.  She focused on the terrible acts of slaughtering hostages by Muslim radicals in Iraq, Afghanistan, and Russia.

Fallaci forgot to mention that terrorism has also been striking in Iraq, Afghanistan, Pakistan, India, Philippine, Sri Lanka, Turkey, Palestine, and Lebanon, Africa, to name but a few, in order to destabilize these States, where terrorism was carried by Hindu, Christians, and various Muslim sects against each other castes.

The hidden facts that terrorism is done by the western extremists are not widely publicized and mostly toned down and not taken up relentlessly by the media.

For example, the Oklahoma City bombing was first attributed to Muslim extremists and then the US had to admit that it was a purely US extremist act; not to mention the dozen of mass killings in the US schools and universities

Moreover, most of the western terrorist acts are ordered by the states or committed by organizations supported by the states and consequently not divulged and buried as national security secrets.

Actually, all the terrorist acts of the Israeli settlers and the government on Palestinians and other adjacent States are coined as “individual actions by crazy people”

Fallaci should have recalled the many terrorist acts that ravaged Italy and Germany in the 60s and 70s and committed by the extremist left movements and done by non-Muslims; she also decided to forget the recent decade long terrorism and genocides that plagued former Yugoslavia and which was started by Christians among themselves in self cleansing mechanisms and then cleansing themselves with the blood of the Muslims in Kosovo and Serbia. (And current far-right parties terrorist activities)

Fallaci should have taken up also these terrorist occurrences of destabilizing many third world countries, and going on even today, by the US and Israel. She has indeed experienced these Western terrorist acts during her long career as a journalist, but she decided to focus her venom on Islam, thus satisfying the present Western propaganda strategy of misinformation and distortion.

As for the second premise, Fallaci poured her venom on those Muslims who claim to be moderate, simply because they didn’t join a radical group or didn’t commit a terrorist act but engage practically in “awful behaviors”. 

For example, how can a Muslim claim to be moderate if he prevents his wives or daughters to be integrated in their new societies, ordering them to swim in their long robe “dishdasha/jalabiya”, even if this practice is tantamount to drowning, or having three wives and treating them as slaves, or beating his wives because it is permitted by “Al Shari3a”, killing his daughters because they refused to marry the men that he selected for them, lambasting school directors because they allowed their sons and daughters to be offered sweets containing hints of alcohol, and so on.  (But many of these customs are practiced by many non-Muslims religious sects, and the Koran does Not encourage many of those imposed patriarchal privilege systems)

Fallaci claims that nine out of ten of the Islamic divine inspired laws are opposite to the Italian civil laws, and consequently, there is no possibility of coming to acceptable terms with Muslim believers. (Let Italy just carry out the civil laws on non-abiding Muslim citizens to encourage “moderate Muslims” to follow suit)

If we recapitulate the history of the world we can demonstrate that almost every religion encouraged terrorist acts throughout history when the goal was to establish a theocratic state, governed by the clerics, or to maintain the power of the religious hierarchy caste over the citizens and the other minority castes. 

European history is packed with genocidal periods where the majority of a Christian sect tried to exterminate other secondary Christian sects in France, Spain, Byzantium, Russia, and Germany, to name a few, and labelled them “heretics” and their shed blood a duty.

The one main factor that permitted the western Christian societies to edge toward rational civil laws and weakens the Christian Orders was that the New Testament dealt only with spiritual doctrines: Christ died before his religion was firmly established and didn’t have to enact laws organizing society when the Roman civil laws were the law of the land.

The major problem with the Muslim religion and its inability to establish rational civil laws for the land is that the Prophet Muhammad vanquished his arch enemy the Koreish tribes in Mecca, while still alive and had to re-organize the tribal society with laws emanating from the “unique God” and the mainstream customs among the tribes.

For maybe esthetic reasons, the Sourats of the Koran were organized according to length and not chronologically as logic would dictate; otherwise, the Muslims would have realized that the sourats in the first 13 years of Islam were purely spiritual and not deviating far from Jesus’ teaching. 

Actually, whatever variations there are in Islam and Christianity, are identical to the views of the different schisms in Christianity in the early centuries (mostly based on Jewish customs sect) and which provoked mass extermination of the smaller Christian sects by the dominant Christian sects.

For example, the status of the Virgin Mary, the duality of Jesus, the Holy Ghost and a multitude of other differences that Byzantium was famous with splitting hair were points of contention among the Christian sects and still are.

If the Koran was divided into two volumes, the spiritual volume related to the first 13 years of its formation and the second volume related to the earthly laws governing the City-State of Medina and then society in the Arab peninsula among the tribes, then communication among the two cultures would have been possible and the Muslims would not have reverted to rigid dogma forced upon them by 10 centuries of domination of Central Asian tribes (Mongol Empires) and culminating by their close associated tribe the Ottomans.

As is common among all religions, the religious orders emphasize the earthly concepts that can be impressed upon the believers by attaching heavy burdens on their daily life for total subjugation. 

Ironically, Christianity created daily burdens of religious obligations that were Not included in the “Bible”, just to impose its hegemony over the soul of its believers.

Jesus strongly denounced the Jewish Order for the daily heavy burdens they encumbered the Jews with and lambasted the order as a hypocritical order. 

Nevertheless, Christianity, whether Roman or Lutheran or Protestant, feverishly created religious obligations that were not in the New Testament but dug up from the Jewish religious books or from the proclamations of the saints and religious leaders to subjugate their members into a tight closed caste.

In general, Christianity is an open religion and the Western Nations in their zest to proselytize their respective dominant religion endeavored to invade the “barbarous” people for the proclaimed purpose of indoctrinating these people into the Christian values; most of these people were subjugated into changing religions nominally but kept their “pagan” traditions.

However, the Christian Maronite sect in Lebanon has reverted to a closed religion and adopted the caste system since the independence of Lebanon in 1943. 

The Maronite sect has agreed on a tacit pact with the non-Christian castes not to allow non-Christian members from the other castes in Lebanon to be baptized Maronites; I can testify that even Lebanese living overseas were not permitted to change religion: the Maronite Order made it clear that the process of changing religion is not feasible. 

This Maronite Christian sect has sold out its soul to preserve its supremacy as a caste in Lebanon local politics and ended up losing its supremacy in 1989 at the Taef Conference in Saudi Arabia.

Consequently, the divergence between the western societies and the Muslim societies are the result of types of revealed Books; the main Christian Book that basically does not contain earthly laws but were created later by the dominant Christian orders, and the Muslim Book that does specifically include earthly laws for governing societies.

The western societies have succeeded in establishing rational, though debatable, civil laws created by men (women had not yet fully participated in most of these laws); and they don’t have to bend their laws to accommodate Muslim immigrants who are stuck with divine laws to run their daily lives. 

This is not to say that the Western World has to adopt pre-emptive strategies of conquering Muslim and Arab countries on the flimsy crusading abstract notion of spreading democracy and the international civil laws, when the geo-political reality is clear and is meant to control energy resources and stopping the expansion of China in world politics.

As for the Moslem World, if the purpose of all these upheavals is catching up with the technology of the western societies then the burden resides mainly on accepting the premise that the spiritual doctrines should be separated from the rational civil laws. 

Otherwise, if the Muslim World wants to survive under its own set of divine obligations and be ruled my mullah, and sheikhs, and muftis then let it be proclaimed openly and unite under this purpose and let the world live as separate entities; societies that instituted civil laws and those insisting on man-made “inspired divine laws”.

In either case, there is no basic need for forced hegemony of one civilization over another if the human mind cannot device a method for human communication and entente: forced hegemony has never worked or lasted in history, and all the evidences are leading to the fact that the current western forced hegemony is failing, unless partitioning the Arab World into cantons is viewed as a definite success of the new pre-emptive “war” strategy, which has nothing to do with cultural differences.

Islam is carrying an insurmountable burden of awkward traditions, not just because of the 5 centuries of Ottoman domination, but 11 centuries of Muslim Sunni of Central Asian tribes that dominated most of the Muslim World, from Mongolia, to Kazakhstan, Kirghizia, Azerbaijan, the Caucasus, Iran, Afghanistan, India, and Turkey.  These hordes have established empires and the local vassals adopted the rigid dogmas and tribal customs of their caste systems.

Any recent reforms undertaken in the Middle East were thwarted by the Western powers to divide these nations and establish theocratic States and dictators most amenable to their creators.  Our inability to change and communicate, even internally among ourselves, is related fundamentally to our autonomous caste structure.

Fallaci was sensing right, but she was fighting cancer. Anyway, rational behavior is not the rule in this somber period within the Bush Administration, even if many of its leaders seem physically fit, aside of Dick Cheney.

Note 1:  The proposition that the Sourates of the first thirteen years were spiritual in nature was investigated by Antoun Saadi in the 1940s and published in a book “Al Islam fi ressalataih al Massihiyat wa al Mohammadiyah” translated liberally as “Islam (Message of Peace) by its two messengers Christ and Mohammed”

Note 2: Antoun Saadi is the founder of the Lebanese-bases Syria National Social party in 1936. A secular party , wanting to separate the religious sects dominance in the political and social structure and the government civil laws and regulation. This party was attacked by the sectarian parties encouraged by the mandated colonial powers of France and England on the Near-East region. This party claimed that we are one people in Syria, Palestine, Lebanon, Jordan and Iraq and was the preadhead of confronting the Zionist plans that were backed by the colonial powers and the USA and Russia.

Note: The Lebanese-based Syria National Social party was founded in 1936 by Antoun Saadi, during the French colonial mandate over Lebanon and Syria. It is a secular party that practice the separation of religion from civil law systems and has been spreading to current Syria, Palestine, Jordan and Iraq.

This party is at a total odd with the concept of ethnic identity and race of the Nazi and Fascist ideologies, and does Not even recognize Language as a basis for National identity or kinds of religions.

The foundation of a National people is the daily trades among the communities and their customs and traditions.

This party had the unfortunate luck to be instituted as the Nazi and Fascist parties got roots in Europe. And the name also included National Social too.

This party was adopting the symbol of the Land that resembled the Nazi Swastika and in color too.

The so-called secular leftist parties in the Near East, which at the time bowed to Stalin communist policies and directives, labelled the Party as Nazist without reading any of its books and daily articles on all the political and cultural issues of the period.

Besides the secular Communist and Syria National Social parties, all the other parties were created on a sectarian affiliation basis, and they still dominating the political systems landscape in the Near East.

هو ضحية «زوبعته»

كان صديقي الأستاذ الجامعي يستمزج آراء الحاضرين عن عناوين لكتب يمكن أن يرسلها لصديق له في الولايات المتحدة

طلب منه نصيحته وتزويده بكتب تتحدث عن المجتمعات العربية وتاريخ تطورها وأزماتها في المنطقة. وبعدما تطوّع البعض بالإشارة إلى بعض العناوين، قمت بدوري بتذكيره بعدم نسيان أنطون سعادة وكتبه.

كانت ردة فعل صديقي الأستاذ الجامعي فورية من دون أي تلكؤ، فقال: «لا لا لا يمكن أن أروّج للفكر النازي».

كانت المفاجأة كبيرة بالنسبة إليّ بما أن الحكم على فكر سعدة جاء من قِبل أستاذ جامعي يُفترض أن لا يكون عنده تحيّز تجاه أيّ أفكار، طالما أن المسألة بالنسبة لطالب الكتب في الولايات المتحدة تتعلق بالبحث والدراسة، وبالتالي لا مجال لأخذ موقف ايديولوجي تجاه الأفكار طالما أنها تتعلق بالأبحاث.

المفارقة الثانية كانت في موقف صديقنا الأستاذ الجامعي أنّه حكم على فكر سعادة بأنه جزء من الفكر النازي. من خلال الحكم بالنازية على فكر سعادة، تأكّدت أن صديقنا لم يقرأ، بل لم يطلع بتاتاً على فكر سعادة.

عندما سألته كيف يحكم وهو بالأكيد لم يقرأ سعادة، أجاب: «لا داعي لقراءته فالموضوع واضح من عنوانه. كل مظاهر حزبه وشعاراته كانت نازية». مع هذا الجواب، تأكّد لي ما كنت قد لاحظته من خلال عملية تقييم تاريخية فكرية وسياسية وتنظيمية وحتى أمنية لمسار الحزب السوري القومي الاجتماعي في تاريخ سابق أوصلتني إلى بعض الملاحظات، لا مجال لذكر جميعها هنا، لكن نقطة مهمة جديرة بالذكر والبحث والتمحيص.

في المحكمة العسكرية 8 تموز

1949
هذه الملاحظة كانت تتعلق بشعارات الحزب من رايته التي تتوسطها الزوبعة مع اللونين الأحمر والأسود، مما كان يعطي شبه تطابق مع ألوان العلم النازي.

إذا أضفنا إلى ذلك الملابس والتحية وبعض الظواهر الأخرى التي كان يتمظهر بها الحزب النازي، لوجدنا شبه تطابق. ومع إضافة كلمة القومي الاجتماعي، يصبح الأمر كأنه نسخة معدلة للحزب النازي.

لا أخفي أنني في شبابي كنت ضحية لهذا الخلط في المظاهر قبل أن أطّلع على فكر سعادة. لكن بعد الاطلاع على فكره، وجدت المفارقات الكبيرة الصادمة.
أولاً، فكر سعادة هو فكر غاص في التاريخ والجغرافيا السورية وفي المجتمع السوري بشكل عميق ودقيق ولم يكن ناقلاً لمجرد أفكار قومية كانت تتداول في تلك المرحلة التاريخية.
ثانياً، إنّ سعادة لم يرتكز في مقولاته القومية إلى أيّ نظرية عنصرية تتعلق بنوع من البشر، لا بالعلاقة الجينية ولا بالتفوق العرقي ولا بالخصوصية البيضاء، ولا حتى بالجذور الأصولية لتاريخ مكونات المجتمع السوري. كان سعادة خارج كل هذه المواضيع، بل كان عالماً اجتماعياً سياسياً بامتياز. درس ما يمكن أن أسمّيه جيولوجيا الطبقات المتراكمة للحضارة السورية عبر التاريخ. ضم فيها النشاط الاجتماعي الحضاري لكل من سكن وأقام، أو حتى مرّ مرور الكرام وأثّر بنهضة الحضارة السورية. هذا العلم ينطبق على كل الحضارات المتلاقحة والمتتابعة التي تشكل صيروة الحضارة الإنسانية.
ثالثاً، قومية سعادة لم ترتبط بعرق ولا حتى بلغة. فاللغات تتابعت وتلاحقت على مدى امتداد الحضارة السورية والمجتمع السوري. فالسريانية كما الآرامية كانت مستقبلة ومتلاقحة مع اللغة العربية، ورغم أنها سبقتها حضوراً في المجتمع السوري، إلا أنها أغنتها، وما زالت آثارها حتى اليوم.
خامساً، كان سعادة ينظر إلى القومية كحركة إنسانية ارتقائية ومحكوم عليها للبقاء أن تكون حرة أولاً وغير مستعمرة أو مستتبعة. وبالتالي نشر فكر الاستقلال والحرية في مجتمعه مقاومةً للاستعمار، كما نشر فكر التغيير والانتفاض على الواقع المتحجر أو الرجعي والقيام بالعمل الثوري الضروري للتغيير، فاستنهض القوة فينا التي لو فعلت لغيّرت وجه التاريخ.


سادساً، يسجل لسعادة «الزعيم» أنه كان من الرواد الأوائل لتفصيل والتحذير من الخطر الصهيوني، وحرض على أهمية التصدي له قبل أن يستفحل في السيطرة على المنطقة، وتنبه بفكر وقّاد ويقظ واستشرافي لمن سماهم يهود الداخل.

وكم كانت هناك أحداث لاحقة صادقة وساطعة من خلال تعاون قوى عديدة في الجغرافيا السورية وفي محيطها بالتعامل علناً أو سراً مع العدو، حتى إنّ البعض قاتل معه ومن أجله ضد مجتمعه وأمته.
سابعاً، يسجّل لسعادة أنه قارب المسألة الطائفية بشكل دقيق وشخّص مخاطر هذا المرض، في حين أنّ أحزاباً علمانية كانت تدّعي امتلاك النظرية العلمية، اكتفت بنقل المرويات والنظريات الغربية المتعلقة بالصراع الطبقي، التي قد تكون صحيحة في مجتمعات صناعية لا تنخرها الطائفية، لكنّها تناست خصوصية منطقتنا وابتلاءها بهذا المرض، ألا وهو الطائفية.
ثامناً، يسجّل لسعادة أنه استحضر مقولات غابت عن كبار علماء الدين الذين كانوا وما زالوا غارقين بالتبشير ليس لدينهم بل أيضاً لمذهبهم، فطرح نظرية الإسلام برسالتيه، المحمدية والمسيحية، وهي نظرية قرآنية ابراهيمية، غابت عن منظور وعن خطاب العديد من علماء الدين، فأعاد بذلك الوحدة والألفة بين الديانتين بالإشارة إلى جذورهما المشتركة.
تاسعاً وهي بنظري من أهم ما تفرد به سعادة وخاصة في عصرنا الحالي، بفضل العلوم الحديثة والفوارق بين المادة والطاقة، بين ما هو صلب وملموس وما هو في حيز الأنوار، بفضل علوم الفيزياء الكونتية، فتحدث سعادة عن «المدرحيات» وشدد على أهمية الجمع بين الروحانيات والماديات بحيث يبقى التوازن الفكري والعقائدي عند الإنسان.
أمام عظمة هذا المفكر،

نجد أن المظهريات من شعارت ولباس ورايات وشعائر كانت أولاً العائق الأساسي لحكم البعض وممن لم يقرأوه أن يحكموا عليه بأنه فكر نازي.
سعادة أغنى الفكر ليس فقط السوري، بل العالمي أيضاً بنظريات جديرة.

من ملف : 70 عاماً على استشهاده: أنطون سـعادة الآن وهنا


adonis49

adonis49

adonis49

October 2021
M T W T F S S
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

Blog Stats

  • 1,482,290 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.adonisbouh@gmail.com

Join 811 other followers

%d bloggers like this: