Adonis Diaries

Posts Tagged ‘Kamal Nader

Memoir of Kamal Nader. Part 11

ذكريات الجمر والرماد .11.

في منفذية الطلبة كثر عددنا بشكل كبير فتم فرزها الى منفذيتين ، واحدة للثانويين والثانية للجامعيين ولكل منهما هيئة كاملة وهما تحت اشراف مكتب الطلبة ،

ففي ذلك الوقت لم تكن هناك عمدة للتربية ولا عمدة لعبر الحدود بل مكتب لهذا الاختصاص ومكتب لذاك وكلاهما تحت اشراف عمدة الداخلية منعاً لتضارب الصلاحيات .

وكان يومها الامين الرائع كامل حسان عميدا للداخلية وهو من اروع من تولى هذه العمدة في تلك الفترة الدقيقة حيث يجب اعادة تنظيم الفروع بعد الخروج من مرحلة العمل السري التي سبق ان وصفتها لكم .

كما كان الامين كامل رئيساً لمجلس العمد ويقوم مقام الرئيس في حال سفره أو شغور المركز . وبكل تواضع كان يعمل اكثر من 15 ساعة في اليوم ، ومكتبه غرفة صغيرة في مركز الحزب في شارع ” فردان ” وليس عنده طاقم عديد في العمدة حتى انه كان يطبع القرارات والتعاميم بنفسه على آلة ” دكتيلو ” يدوية لكنه كان اسرع من الكومبيوتر اليوم .

وكان حازماً وجاداً في الادارة والنظام مع محبة قومية اجتماعية راقية كنا نلمسها في طريقة التعامل معنا حتى عندما يضطر الى قرار فصل او عقوبة فانه يصدرها بقوة مشفوعة بمحبة وحرص على تربية المخطئ واعادته الى خط النظام الصحيح .

اما منفذية الطلبة الجامعيين فكانت مؤلفة من خمسة كوادر ممتازين اذكر منهم المنفذ العام يوسف سالم وناظر التدريب جبران عوّاد وناظر الاذاعة فهيم داغر . كانت هيئة نشيطة جدا تدير عدة مديريات كبيرة العدد تتوزع في كليات الجامعة اللبنانية والاميركية واليسوعية والعربية ، وتلك هي الجامعات في ذلك الزمان وليس مثل اليوم حيث توجد في لبنان حوالى 40 جامعة .

كانت التحركات الطلابية ناشطة جدا ، مظاهرات ، ندوات ، محاضرات ، اشتباكات بالايدي مع احزاب اخرى ، وكانت المدريريات تساند بعضها في الساعات ” العصيبة ” فترى النفير يدق في ” الحقوق ” وبقية الكليات لمساندة شباب ” ألاداب ” ، فيتوافد القوميون الى مكان الاشكال وغالباً ما يحسمونه قبل ان تتدخل القوى الأمنية .

اما التظاهرات فكان معظمها للمطالبة بتطوير الجامعة اللبنانية وزيادة كلياتها خاصة في العلوم التطبيقية كالهندسة والطب ، وتحسين مبانيها وتأمين الكادر التعليمي المتفرغ لها .

وفي الشؤون السياسية كنا نتظاهر لمناهضة الطائفية ولتطوير النظام السياسي ، ودعماً لفلسطين ولمنظمة التحرير ومنع ضربها خاصة مع ظهور خلافات حادة بينها وبين المملكة الاردنية والتي تطورت الى اشتباكات والى مجازر ايلول السوداء سنة 1970 .

وفي الشؤون المعيشية والاجتماعية كنا نساند مطالب العمال والمزارعين ونناهض الحرمان والظلم الاجتماعي والاستغلال ونطالب بالعدل الحقوقي والمعيشي وبتوسعة خدمات الضمان الاجتماعي وحمايته من الاستغلال .

كان نظامنا الداخلي في منفذية الطلبة صارماً جدا وهناك لائحة من الممنوعات التي يمكن ان تؤدي مخالفتها الى الفصل. فالاركيلة والمسبحة ممنوعة لأنهما عادات عثمانية تركية ، واللباس الخلاعي المستورد ممنوع لأنه يعني الميوعة وهو مع امور اخرى في عالم الموسيقى والفن وصرعات ” الهيبيين ” و ” البيتلز ” مستوردة من امريكا والغرب لتسميم نفسيات الشباب ونشر الفساد فيهم ،

بينما يجب ان يكون القوميون الاجتماعيون معروفين من مشيتهم ومن مظهرهم واخلاقهم بين الناس ولا يلجأون الى التقليد السطحي والاعمى للموضة المستوردة . ولم يكن الجلوس في المقاهي لوقت طويل مستحباً لأنه اضاغة للوقت اما القمار فجريمة يعاقب مرتكبها بشدة .

لم يكن للحزب موارد مالية كبيرة فكانت الاشتراكات تجبى لتأمين بعض اللوازم وليس هناك متفرغون يقبضون معاشات بل كلها امور تتم بالتطوع بدون مقابل مالي . حتى اذا ذهبنا الى مخيم تدريب ندفع اشتراكات لتأمين الحاجات اللوجستية والطعام .

في تلك السنوات 69 و70 قمنا بعدة رحلات الى بيت الدين والبقاع الغربي وراشيا ، والى نهر العاصي ، وكانت الاعداد كبيرة جدا ، يرافقنا فيها غسان مطر باشعاره الثورية المتجددة ‘ خاصة قصيدة ” رحمات الله عليه ابي ” وقصيدة ” شرايين الثورة ” و” الجرح النازف ” والتي جمعها فيما بعد ضمن ديوان عنوانه “ احبك يا حزيران ” ولا انسى ايضا قصيدة ” الراهبة ” وغيرها من روائع الشعر .

كما كان صوت حياة الحاج الفيروزي الجميل يزين الرحلات والحفلات وتطل علينا ادال نصر بصوتها الصافي والجبلي القوي في اناشيد ” موطني ” و “على الوادي ” و ” يا فاتح درب القمة بخيمة صنين ” وغيرها من الاناشيد والاهازيج واغلبها من نظم الامين عجاج المهتار .

كما كان يرافقنا فوزي عبد الخالق بشعره الزجلي … على ان قصائد خالد زهر في مهرجانًي اول اذار وعيد العمل قد الهبت العقول والمشاعر والايدي وصارت بعض مقاطعها تدور على كل لسان .

وفي تلك السنة تعرفت لأول مرة على الامين محمود عبد الخالق بقامته الطويلة والكبيرة وظلت رفقتنا طيلة هذه السنين الى حين وفاته سنة 2018 .

يبدو ان المقالة قد صارت طويلة فنترك البقية الى الحلقة التالية .

الى اللقاء واسلموا للحق والحياة وللنهضة وللوطن .

Memoir of Kamal Nader. Part 8

ذكريات الجمر والرماد. 8 .

لنا في ضهور الشوير عرزالٌ وذكرى لقائد ومعلم قلما يأتي الزمان بمثله ، فاما المعلم فقد قتلوه خوفاً من عقله وفكره ومشروعه الكبير ،واما العرزال فقد احرقوه كي لا يبقى اثرٌ منه انتقاما وقهرا لنا وللأمة .

ففي سنة 1962 وعلى اثر الانقلاب تعرض الحزب القومي لاضطهاد وعذاب شديدين ، وزج الالوف في السجون دون ذنب ، واحرقت بيوت وخُرّبت ارزاق ، وتمادى الحقد حتى طال عرزال الزعيم فاقدمت سرية ٌ من الجيش على قطعه مع الصنوبرات التي يقوم عليها ، وحملته الى ساحة ضهور الشوير واحرقته امام القوميين والمواطنين في مشهد تجمعت فيه الحقارة والندالة والحقد والانتقام .

برغم ذلك ظل مكان العرزال والصنوبرات المحيطة به موضع تقديس رمزي عند القوميين ومزاراً لكل من آمن بأن النهضة هي طريق الامة الى الحياة والازدهار والكرامة .

وكنا في كل سنة نحمل امتعتنا وخيمنا ونذهب الى هناك لنقضي بعض الايام في الدرس والتدريب على النظام والقواعد الاخلاقية ومواجهة الاخطار والضغوط .

واذكر انه في يومٍ من الايام ، جاء شابٌ طويل القامة عريض المنكبين وذو قسمات وجه مميزة عرّفوني عليه بأنه الامين جبرايل عون ، فاخذني جانباً واخرج من جيب سترته كتابا صغيرا يبدو انه نجا من الحريق والمصادرة ، وقال لي هنا تجد المبادئ وغاية الحزب وعليك ان تحفظها حرفياً لأن ذلك ضروري لنجاحك في العمل ،

واضاف بأنه سيعود بعد اربع ساعات ويسالني عنها ويستمع الى ما حفظته منها . جلستُ الى جذع صنوبرة بعيدة عن مكان رفقائي ودرست ما في الكتاب كانني امام امتحان رسمي ، ولما عاد الامين جبرايل كنت قد حفظت كل شيء حفظاً دقيقاً وتاماً واسمعتهُ اياه ، ومن يومها ما نسيت حرفاً من هذه المبادئ وانحفرت في قلبي وعقلي وعلمتُها وشرحتُها لألوف من المواطنين والرفقاء …

في ذلك المخيم تعرفت على عصام حريق وجوزيف قربان وايلي عون وغانم خنيصر واخيه فيليب وغيث جديد وسعيد عطايا وياسر الحسنية ( استشهد سنة 76 غدراً ) وايلي ابو ابراهيم وابراهيم الوزير ،

وكلهم صمدوا في خط النضال وما زالوا ، بعضهم حمل رتبة الامانة وبعضهم فارق هذه الدنيا ، ولكن لم ينهزم احدٌ من ذلك الجيل ولم يتراجعوا وما زلنا نحفظ لبعضنا اجمل الذكرى والوفاء والاحترام .

كنا نتردد على بيت الزعيم ونزور الامينة ديانا المير التي تركت الارجنتين حيث اهلها وعادت الى الوطن لتهتم ببنات سعاده بعدما اعتُقلت شقيقتها الامينة الاولى جولييت المير في سجن المزة الظالم بدمشق لمدة تزيد عن سبع سنوات .

وكانت هناك راغدة بنت الزعيم اما صفية واليسار فكانتا خارج الوطن بسبب ظروف الحزب ما بعد الانقلاب .

وانني لا انسى وجه الامينة ديانا وطلتها الجميلة وعينيها وروحها الحلوة وصبرها على مكاره الحياة خاصةً وانه لم تتعرض عائلة للظلم الذي تعرضت له اسرةُ الزعيم انطون سعاده . كما لا انسى راغدة بوجهها الابيض وشعرها الاجعد وبشاشتها وروح النكتة الظاهرة في تصرفاتها وكلماتها برغم حرمانها من امها ومن والدها .

في السنوات التالية ترافقتُ مع صديقي القومي الاجتماعي سميح الدقدوق في مخيم آخر وقضينا سويةً اياماً جميلة لا تُنسى ، ثم غبت عنه بسبب انتقالي الى الكورة وبسبب ظروف الحرب اللبنانية ، الى ان عدنا والتقينا في ضواحي خلده بعد انتهاء الحرب ، وتشاء الصدف ان اكون المندوب عن مركز الحزب يوم وفاته في تشرين الاول من عام 2015 وان القي فيه خطبةً في دار عرمون .

ومع عملي في جريدة النهار كنت اقوم باعمال حزبية كثيرة خاصةً في الحلقات الاذاعية ، ضمن منفذية الطلبة ومنفذية الضاحية الشرقية لبيروت ومنفذية المتن الاعلى .

وذات يوم طلب مني المنفذ الامين محمد غملوش ان اصعد الى بلدة العبادية لأقدم شرحا اذاعيا للمواطنين هناك وقال لي ، عليك ان تدبر نفسك في سيارة او شاحنة صاعدة الى البقاع ثم تنزل على مفرق عاريّا قرب المخفر ومن هناك تستقل سيارة اجرة ، وعندما تصل تسال عن بيت انيس تابت .

قمت بالعمل تماما واستعنت بكتاب المبادئ فدرست موضوع الحلقة ، وشرحتها للمواطنين وكانوا كثراً ، ولما عدت الى البيت فتحت كتاب المحاضرات العشر لأرى إن كنت نسيت شيئا مهما او قصرتُ في الشرح . وبالفعل فقد وجدتُ بعض النقص وقلت ساعوضه في الاسبوع القادم ، وعندما التقيت المنفذ في اليوم التالي قال لي ان الشباب في العبادية كانو مرتاحين جداً لشروحاتك وهم يصرون على ان تعود اليهم كل اسبوع .

وهكذا واظبت على الذهاب الى العبادية متنقلاً من سيارة الى بوسطة وعندما تنتهي الحلقة كان الشباب يوصلونني الى عاليه فاقف قرب ” قصر اسمهان ” انتظر سيارة اجرة انزل بها الى بيروت لألتحق بعملي الليلي في جريدة النهار .

وفي تلك الفترة تعرفت الى عدنان طيارة وسمير ابو ناصيف وميشال خوري ويوسف غندور والى العديد من القوميين الاجتماعيين المثقفين والناشطين في سبيل اعلاء شأن هذه الامة المضروبة بالف نوع من الخراب والذل والقهر والحرمان ، والتي لا تكاد تنتهي من حرب ومجزرة حتى تقع في حرب اشد وادهى .

هكذا كانت تدور حياتي بين العلم والعمل والنشاط الاذاعي وقلما كان عندي وقت فراغ للأمور الخاصة .
الى اللقاء في الحلقة القادمة من هذه الذكريات .

Memoir of Kamal Nader. Part 10

ذكريات الجمر والرماد . 10 .
في بداية السبعينات كان عندنا زخم ثقافي كبير ، مجلات وصحف وكتاب وفنانون وادباء وشعراء حتى ليشعر الواحد منا انه ينتمي الى مدرسة بل الى جامعة .

فقد اصدر الاديبان جورج مصروعة وايليا ابوشديد مجلة المواسم وكانا يزينانها بالادب والتاريخ والشعر ، ويرافقهما الشاعر القومي الكبير الامين محمد يوسف حمود بمقالات من نار وذهب ، والياس مسّوح يكتب من الكويت واحيانا خالد قطمة ونذير العظمة و.محمد الماغوط ،

وكانت المجلة تزعج ضباط المكتب الثاني فيصادرونها ويحيلونها على المحاكمة ، الى ان ضاقت بها الحال فتوقفت عن الصدور . وكان ادوار صعب يصدر مجلة البيدر وهي متخصصة بالشعر الزجلي .

ومن اصل بضع جرائد يومية تصدر في لبنان كانت هناك اربع صحف قومية النفس والتحرير ، وفيها عدد كبير من الكتاب والمحررين القوميين ، اذكر منها ” النهار ” ،والصفاء ” لصاحبيها رشدي وحلمي المعلوف ، و” لسان الحال ” لصاحبها جبران حايك ، ثم صدرت جريدة “البناء” وامن يديرها الامين محمد العريضي ،

وقبلهم كان الامين محمد البعلبكي يصدر جريدة ” صدى لبنان ” ، وهو الذي اصبح نقيبا للصحافة بعد خروجه من السجن وظل في هذه المسؤولية الصحافية الى حين وفاته قبل بضع سنوات . وكان قبله النقيب الشهيد رياض طه وهو قومي اجتماعي ايضاً .

كان هذا الحزب جامعة للمفكرين والفنانين واهل القلم والموسيقى ، نذكر منهم الفنان محمد شامل وبيار جماجيان وميشال نبعه وحتى انطوان كرباج ، و ” ابو ملحم ” اديب حداد ،

وكان حشدٌ من الادباء والشعراء مثل سعيد تقي الدين و كمال خير بك ونذير العظمة وغسان مطر وخالد زهر وميشال ابو شديد عدا عن الذين ذكرتهم في مجلة المواسم ،

وفي عالم الموسيقى والغناء كان هناك الموسيقار توفيق الباشا ومحمد علي فتوح وحليم الرومي وزكي ناصيف ، ولم يكن الرحابنة بعيدين في ايحائهم واستلهامهم لملحمة تموز وعظمتها .

كان بيت زكي ناصيف قريبا من بيتنا في عين الرمانة وكنت اذهب لازور شقيقه الامين شفيق ناصيف ، إذ كان ابناؤه وبناته معنا في منفذية الطلبة ، واتذكر انني غالباً ما اجد الفنان زكي يدندن على الة موسيقية او على البيانو ، فلا يرد علينا السلام ولا الكلام ما يعني بأن علينا الا نقطع عليه جو الجملة الموسيقية التي ينظمها ، حتى اذا ما انتهى منها يأتي الينا باسماً ومداعباً ويجلس معنا ونتحدث في امور الفكر والفن وتاريخ الموسيقى الشعبية وجذور العديد من الاغاني الشعبية .

ولقد روى لنا الكثير اكتفي هنا بأن اذكر قصة اغنيتين من اغانيه الخالدة . الاولى ” طلوا حبابنا طلوا ” ، فقد قال أنها طلعت سنة 1958 عندما انتهت احداث ما سمي ” الثورة “، وتقرر ان يعود القوميون من جبهات القتال الى قراهم ،

وكان هناك عددٌ من ابناء مشغرة قد التحقوا بمخيم ” شملان ” الشهير والذي لعب دورا حاسماً في تقرير مصير تلك الثورة . ويقول الاساذ زكي بأن اهالي البلدة خرجوا لملاقاة العائدين المنتصرين ، واحتشدوا على مطل مشرف على الطريق الممتد من صغبين وعيتنيت ، وانه ما ان اطلت اولى السيارات حتى صرخ الناس ” طلوا حبابنا ” …

هنا تدمع عيناه ويضيف انه في تلك اللحظة طلعت معه الفقرة الاولى من الاغنية … ثم اكمل بقية الفقرات . اما الثانية فهي ” صبّحنا وطل العيد يلوح بعيد خلف قناطرنا ” وقد قال لي بأن العيد هو اول اذار ، ويضيف :” وبهلّة فجر جديد ونصر جديد جايي يبشرنا ” والمقصود فجر النهضة والنصر الذي لا مفر منه ، و” بالعز اللي مخبالنا وقفات كتيرة ببالنا ويللا معنا يا رجالنا نمشي والنصر بينطرنا ” والمعنى هنا واضح عن وقفات العز ، وعبارة الزعيم “انكم ملاقون اعظم انتصار لأعظم صبر في التاريخ “.

في تلك الفترة تعرفت على الرفيق يوسف المسمار وترافقنا بالعمل الاذاعي قبل ان يضطر للسفر الى البرازيل حيث ما زال يعطي من فكره وثقافته للنهضة اعمالا غزيرة وجميلة وراقية بعدة لغات .

وكان في عين الرمانة الامين حافظ الصايغ استاذاً في مدرسة ” التربية الوطنية ” والاستاذ اياد موصللي ، مديراً ومؤسساً لمدرسة ” التنشئة الوطنية ” وفي عاليه كانت الجامعة الوطنية تخرج افواجا من الطلاب ، بادارة الامين انيس ابو رافع ويعلم فيها خالد زهر وعدد من الاساتذة القوميين ،

وفي منطقة الحدث كانت مدرسة ” الحدث العالية ” التي اسسها الاستاذ القومي الاجتماعي حبيب حبيب وعلم فيها الكثير من القوميين .

هكذا كانت صورة وواقع الحزب في سنوات الاضطهاد وبعد الخروج من السجون ، صورة حزبٍ يضم النخب الثقافية والادبية والموسيقية والفنية ،

وهذا وحده كان كافيا ليستقطب الناس والطلاب لما له من اثر في المجتمع عندما تطل على البلاد بهذا الحشد الهائل من الادباء والاساتذة والشعراء والفنانين ، وليس بالميليشيا والمجازر كما هو حال بعض احزاب اليوم .
يطول الحديث فاكتفي بهذا القدر اليوم والى اللقاء في حلقة قادمة .

Memoir of Kamal Nader: part 9

ذكريات الجمر والرماد . 9 .
عندما صدر العفو العام عن القوميين خرجوا من السجون ما عدا الضباط الثلاثة الذين شاركوا بالانقلاب ، وهم الرفقاء فؤاد عوض ( كان برتبة نقيب وهو من بلدة عندقت في عكار ) وشوقي خيرالله ( وكان برتبة نقيب ايضاً وهو من بحمدون في جبل لبنان ) وعلي الحاج حسن ( وهو برتبة ملازم اول ومن بلدة شمسطار بالبقاع ) .

فقد اصرت قيادة الجيش اللبناني على عدم شمولهم بالعفو ، وهذا ما عرقل العملية عدة اسابيع إذ اصرت قيادة الحزب الموجودة داخل سجن القلعة وفي الخارج على ان يكون العفو للجميع او لا يكون بالمرة .

وامام اصرار الطرفين وتمسك كل منهما بموقفه بدا ان العفو قد تجمد وربما يطير المشروع ، وكانت تجري مداولات داخل السجن بين الضباط والامناء القياديين ، وهنا ابدى الضباط موقفاً نبيلاً ومناقبياً فترفعوا عن ذاتيتهم وقالوا بأنه لا يجوز حرمان رفقائنا من الحرية بسببنا ونحن كتب علينا ان نتحمل ،

وطلبوا ان تسير القيادة في مشروع العفو بدونهم ، وهكذا صدر العفو في منتصف شباط من العام 1969 كما اشرنا سابقاً وخرج المئات من القوميين وعادوا الى بيوتهم والى نشاطهم ،

وكان بينهم عدد من حملة الشهادات التي حصلوا عليها خلال فترة الاسر فمنهم من تخرج بدرجة بكالوريوس في المحاسبة ومنهم من دخل امياً فتعلم القراءة والكتابة وصار استاذاً بعد الحرية .

لقد تحول السجن الى مدرسة ومنتدى للفكر فكان الطلاب يزورون سجن القلعة ويلتقون بالامناء ويتناقشون معهم بامور الفكر والفلسفة والسياسة ، وبينهم من كان استاذا جامعياً قبل الانقلاب او دكتورا في الطب او مهندسا وصاحب اعمال تجارية .

وياما قرانا في ملحق جريدة النهار مقالات ثمينة بتوقيع ” سبع بولس حميدان ” اي الامين اسد الاشقر ، و “قيس الجردي”، اي الامين انعام رعد ، و ” نذير الشويري ” اي الامين الدكتور عبدالله سعاده .

خرج القوميون اذن وبقي الضباط الثلاثة في السجن ولم يطل الوقت حتى بادر النقيب فؤاد عوض الى الفرار من سجن القلعة بخطة مدبرة بدقة لكنها لا تخلو من الخطر ، فهو عندما وصل الى البوابة الاخيرة بعدما اجتاز الحواجز الداخلية ، تنبه اليه احد الحراس قلاحقه واطلق النار عليه مما اصابه في احدى قدميه وبات عاجزا عن الركض والسير فزحف واختبأ في جوار احد البيوت في حي القلعة براس بيروت الا ان قوات الشرطة والجيش التي طفرت تبحث عنه استطاعت ان تعثر عليه وكان ينزف من جرحه فاسعفوه الى المستشفى وعالجوه ثم اعادوه الى السجن وزادوا من القيود عليه وعلى تحركاته داخله .

ضج لبنان يومها بعمل فؤاد عوض وارتفعت امال القوميين ومعنوياتهم وبانهم لا ينامون على الضيم والظلم ، ثم انه لم يطل الوقت كثيراً حتى نجح الحزب القومي في استصدار عفو ملحق شمل عندئذٍ الضباط فخرجوا الى الحرية .

غير ان القدر كان بالمرصاد للرفيق الملازم علي الحاج حسن ، فقد اصابه الاسر والتعذيب بمرض في كليتيه وربما تحول الى سرطان ، وجرت له معالجات في مستشفى الجامعة الامريكية وكنا نذهب لنتبرع له بالدم وبما ملكت ايدينا من مال قليل ، ولما بدا ان حالته تستدعي علاجا متطورا اكثر تم ايفاده الى لندن ولكن المرض كان اقوى من كل المحاولات فوفّى عليٌ اجله المكتوب وارتقى شهيداً للواجب القومي فكان ذلك حزناً عميقا لنا وللكثير من الناس الذين عرفوه بدماثة اخلاقه وشجاعته وايمانه القومي ،

علماً بانه في تفاصيل الانقلاب كان مكلفاً بالتوجه على رأس مجموعة من القوميين يلبسون لباس الحرس الجمهوري الى القصر الرئاسي في صربا لاعتقال الرئيس فؤاد شهاب ، لكن المجموعة اصطدمت بالدبابات عند ممر نهر الكلب فوقع البعض منهم في الاسر وفر بعضٌ آخر ونجوا ،

وقد روى لي بعضهم قصصا عجيبة في كيفية نجاتهم من الاسر وكيف مشوا اميالاً طويلة في الجبال والوديان الى ان خرجوا من اطار الاراضي اللينانية .

وصل جثمان الشهيد علي الى مطار بيروت في ربيع العام 1970 ، وجرى له استقبال الابطال وفي اليوم التالي كانت حشود القوميين الاجتماعيين تغطي جزءاً من سهل البقاع في مشهد اذهل المراقبين والسلطات والسفارات الاجنبية والعربية ،

وطرحوا السؤال عن سر هذا الحزب الذي لما يخرج من تحت الضغوط والملاحقة بعد فمن اين جاء بهذه الاعداد الهائلة تمشي صفوفاً بديعة النظام بكل ترتيب وانضباط .

كان الامين ديب كردية وكيلاً لعميد الدفاع وهو الذي ينظم الصفوف ويعطي الاوامر بالتحرك او بالوقوف ، وكان مع قوة صوته يستعين بمذياع يدوي ، فتسير الصفوف بحركة نظامية وتتوقف بناء على امر منه دفعة واحدة .

اما نحن الذين كنا بعيدين عنه وعن مركز اللاحتفال ولم نكن نسمع صوته فكنا ننظر الى الرتل الذي قبلنا ونفعل مثلما يفعلون .

ولا ننسى بشير عبيد وهو يلقي الخطب والاشعار ، وصوته يملأ السهل وربى شمسطار الخضراء ، وبشير كان عميدا للدفاع في العملية الانقلابية .

كما لا ننسى كلمة الرئيس الامين عبدالله سعاده ، التي رسمت خطة سير الحزب في تلك المرحلة وابرز ما قال فيها “ ادعوكم الى الجهاد والفداء ، والفداء كرّس نفسه شرطا لانتصاركل قضية عظيمة ” واضاف ” انني اذ اغتز بصفوفكم البديعة النظام فانني اريدها ان تصبح صفوفاً تمرست بالقتال والثورة .”

كان ذلك اعلاناً فاجأ السياسيين ورسم خطة الحزب للسنوات القادمة في وطن يغلي بالاضطرابات وبالثورة والكفاح المسلح ضد العدو الاسرائيلي والانظمة السياسية الرجعية البالية والفاسدة .

يطول الكلام عن تلك المرحلة ، وسنتابع في حلقات قادمة فالى اللقاء .

A memoir from the prison. Part 6

Kamal Nader posted on FB. 14 hrs

Amber and Ashes memoir

ذكريات الجمر والرماد .6.
خرجنا من السجون الى الحرية وبات علينا ان نواجه الواقع وتحديات الحياة .

كان العام الدراسي قد اصبح في منتصفه ولم يعد بامكاني أن ادخل الى اي جامعة لأن نظام التدريس كان يقوم على قاعدة السنة الكاملة وليس الفصول ،

فذهبت واشتغلت في جريدة النهار بوظيفة ” مصحح ” لغوي وطباعي ، وكانت هذه الوظيفة لأخي الاكبر جان وهو تنازل لي عنها ودبر عملا آخر بعدما خرج من السجن .

تقبل الاستاذ غسان التويني الأمر بعد اتصال من ابن خالتي الدكتور نفحة نصر الذي شرح له وضعي وانني قومي خارج من السجن واتمتع بمعرفة قوية باللغة العربية . هكذا وجدت نفسي ادخل الحياة العملية من باب الصحافة ،

وكانت ” النهار ” من كبريات الصحف في العالم العربي وفيها اساتذة كبار في السياسة والادب والشعر والصحافة والفن ، تعرفت عليهم مع مرور الوقت ، وكان بامكاني ان اتعامل مع صحافيين مميزين مثل ميشال ابو جوده وفرنسوا عقل وشوقي ابو شقرا وادمون صعب وجوزيف نصر ،

كما كنت التقي العميد ريمون اده واحياناً علياء الصلح التي تكتب مقالات متفرقة في الجريدة . وقد وفرت لي الصحافة معلومات هائلة عن كل ما يجري من احداث في الشرق والعالم واعطتني ثقافة سياسية وادبية كبيرة ، وما زلتُ اتذكر تفاصيل ما جرى من صراعات في لبنان والاردن ومصر وفلسطين في تلك الحقبة .

كان العمل في الجريدة يبدأ في الساعة العاشرة ليلاً وينتهي قرابة الساعة الثالثة فجراً ، فاعود الى بيتنا في عين الرمانة ، وفي اليوم التالي اجد متسعاً من الوقت للنشاط الحزبي الاذاعي وامور اخرى ،

وكان معاشي كبيرا بمقياس تلك الايام ، فاتقاضى 500 ليرة لبنانية وهو رقم مهم اذا علمنا بان النائب في البرلمان يتقاضى 1200 ليرة .

ولكي استفيد من الوقت التحقتُ بمعهد لتدريس اللغة الانكليزية يقع بجوار الجامعة الامريكية ، وتقدمت بسرعة لأنني كنت قد درستُ اولويات تلك اللغة مع صديقي سامي الصايغ بطريقة طريفة ومحببة .

كان سامي موظفاً في بنك ” الريف “ وهو اساساً من مشغرة وقد نزل هو واخوته ، نصري الصايغ الاديب والكاتب القومي العلماني المميز اليوم ، وعاطف الذي اصبح طبيباً ،وشقيقتهم روزي ، وسكنوا بجوارنا في عين الرمانة ،

وبما انهم من عائلة قومية اجتماعية فقد تعارفنا وبتنا اسرة واحدة تجمعها المحبة القومية وما زلنا الى اليوم رغم تباعد المكان . كانت عند سامي آلة تسجيل كبيرة وقد اشترى اشرطة وكتباً لتعليم اللغة حسب طريقة اذاعة لندن ، فكنا نجلس معاً كل يوم تقريبا ونستمع الى طريقة التعليم ونقرا ما في الكتب ،

وهذا ما جعلنا نمسك مفاتيح الاحرف والكلمات الاولية وطريقة اللفظ . والى اليوم ما زلت اتذكر واضحك في سرّي عندما اسمع اغنية زياد الرحباني بصوت جوزيف صقر ” اسمع يا رضا “ ، خاصةً عندما يقول ” تعلم لغّة اجنبية هيدا العربي ما بيفيد … دوّر لندن من عشيّة ماري بتهجّي وبتعيد “.

امضينا فترة جميلة ومفيدة ، ثم استفدت من فترة السجن فتعلمت من رفيقيّ انطون حتي وغانم خنيصر مزيداً من هذه اللغة .
في ربيع تلك السنة حصلت معي حادثة لا تخلو من عبرة ودلالة . فقد اعتدت ان ادخل الى الجامعة الامريكية وادرس في مكتبتها الغنية بالكتب والمراجع ، وكان لي اصدقاء ورفقاء كثيرون فيها .

وذات يوم شاهدتُ تجمعاً للطلاب امام مبنى الادارة وهو المعروف ب ” الكولدج هول ” ، فذهبت الى الكافتيريا وسالت رفيقي حليم عودة عما يجري فاخبرني ان الادارة رفعت الاقساط وان هناك حركة احتجاج من الطلاب وقد تعرض بعضهم للطرد ، وأن باسم المعلم يقود التظاهرة .

كنت احب باسم وهو قومي اجتماعي من كفرحزير الكورة ويتميز بالدينامية والنشاط وبيني وبينه مودة ، فتركت كتبي عند حليم ونزلت ابحث عنه ، فتلقاني بقامته الطويلة ودعاني ان امشي معه في طليعة التظاهرة . تسلمت الميكروفون وسرنا ، وراحت التظاهرة تجوب طرقات الجامعة باتجاه ” الويست هول ” ثم اتجهت الى منزل رئيسها الدكتور ” كيركوود “ ،

والقى باسم كلمة نارية ضده ، ثم عدنا نحو مبنى الادارة ، وهنا جاء من اخبرنا بأن الشرطة باتت تحاصر الجامعة وتنتظر القرار بالدخول الى حرمها وتفريق المتظاهرين واعتقال البعض منهم . طلب مني باسم ان اغادر لأنني لست طالبا ولا يحق لي ان اشارك بمثل هذه النشاطات وإن وقعت في يد الشرطة سيتم توقيفي . سلمت الميكروفون الى رفيقي محمد حماده وذهبت فاخذتُ كتبي من عند حليم عودة ،

واتجهت للخروج من البوابة الرئيسية المفضية الى شارع ” بلِسس ” ، وهناك شاهدتُ في اعلى الدرج الرفيق مفيد الهاشم وكان مسؤولاً في جهاز امن الجامعة ، فاشار الي برفعة من حاجبيه وحركة من يده ، بشكل فهمت منه بأن اغيّر طريقي لأن الشرطة كانت تدقق في الداخلين والمغادرين وتطلب بطاقاتهم . تابعت سيري بهدوء وانعطفت من جانب المكتبة العامة ثم انحدرت على الدرج الطويل الذي يمر بقرب كلية الهندسة ،

وانا اؤمل نفسي بأنني استطيع الخروج من البوابة البحرية ( سي غيت ) ، لكن الشرطة كانت هناك ايضاً، فدخلتُ الى الملعب الاخضر الكبير وجلست على مدرجه ، كأنني المشاهد الوحيد لمباراة لم تحضر فرقُها . فتحت كتاب فلسفة كان معي ورحت اقرأ ، ولكنني لا افهم شيئاً مما اراه ، فقد كان ذهني شارداً في كل ما يجري بينما عيناي تجريان منفصلتين على سطور الكتاب .

مرت نصف ساعة وهدأت اجواء المكان وغاب صوت المتظاهرين ، ثم بدأت سيارت الفرقة 16 تبتعد ، وهكذا استطعت ان اغادر الجامعة وصعدتُ في باص الدولة عائدا الى البيت . ولكن العبرة في الأمر هي انني قد اصبحت في مكان آخر غير مكان الطالب والعلم والشهادات … لقد صار عقلي يشتغل على السياسة والنضال وهذا ما سيترك اثراً مهما على مستقبلي .

في الحلقة القادمة نحكي عن العمل الاذاعي وعن ما اكتسبته من عملي ب ” النهار ” ومواكبة الاحداث السياسية الكبيرة في تلك الحقبة . فالى اللقاء .

What happened in the prisons during President Fouad Chehab?

In 1961, the Lebanese-based Syria National Social Party (SNSP) attempted a coup d’etat on New Years. This party managed to pick up all of the main military leaders but failed to get the President Chehab.

Instead of going all the way for military change of regime, and they had the means, this party opted to surrender in order Not to shed blood..

Kamal Nader posted on FB. October 30 at 8:10 PM

Kamal Nader is posting a series of his memoir and this is his 4th.

ذكريات الجمر والرماد (4)
في سجن الرمل اقمنا في القاووش رقم 4 بالبناية الاولى ، هكذا كان عنوان اقامتنا . غرفة مستطيلة اتسعت لنا نحن الاحد عشر قوميا اجتماعيا ..

على الفور تم التنظيم ، فالامين عبدالله محسن هو المسؤول الاول يعاونه الأمين لبيب ناصيف فيقوم بادارة امورنا الخدماتية والمالية خاصة وانه كان موظفاً كبيرا في ” بنكو دي روما ” في بيروت .

لم يكن يحق لنا ان نمتلك مالا في الغرفة بل ان اهلنا يضعون لنا مبالغ في صندوق الامانات لدى ادارة السجن ويجري ابلاغنا بالرصيد المتجمع . كان الامين لبيب يحصي كل هذه الارصدة ويرتبها في دفتر حسابي وله مطلق الحق بالتصرف بالمبالغ العائدة لكل واحد منا ولا احد يعترض . كنا واحداً كلنا يعني كلنا كنا كأننا رجل واحد

.
في كل صباح يسأل الامين ماذا تريدون ان تأكلوا اليوم ، فهناك مطعم وكافتيريا ودكان في السجن يمكن لكل واحد ان يشتري منه ما يريد من معلبات او صحن يومي ، خاصةً وان طبيخ السجن غير قابل للإستهلاك او الهضم .

وبعد دقائق يصدر الامين لائحة المطلوبات وله الحق المطلق بأن يسدد الاثمان من الارصدة الموضوعة على دفتره ولا احد منا يعترض على المبلغ الذي سحبه من رصيده حتى لو كان واحدنا لم يطلب شيئا لنفسه . كان كل المال ملكا للجميع .

ياتي الطعام فنأكل منه كلنا على سفرة ممدودة في ارض الغرفة . بهذه الشراكة والروح القومية عشنا وذاع صيتنا بين السجناء لما كنا نتميز به من النظام والمحبة والتعاون ،

كما كنا نتراسل مع سجناء آخرين يرغبون بان يعرفوا شيئا عن الحزب او يحتاجون مساعدة لأهلهم في الخارج ويطلبون من الامناء ان يخدموهم عبر امتداد الحزب في كل المناطق .

وكنا نعقد حلقات ثقافية بين بعضنا والذي يعرف اكثر يعطي من ثقافته للاخرين كما كنا نتسلى بتبادل الاشعار على شكل قصائد او بطريقة سوق عكاظ ، وقولٌ على قول ، واتذكر ان معظمنا كانوا يعرفون الكثير من الاشعار والامثلة الشعبية اضافة الى الامور الفكرية والعقدية .

كان الامين عبدالله محسن يتميز بالحكمة والهدوء والرصانه مع روح لا تتنازل عن المرح في كثير من الاحيان وكان يخبرنا عن مرحلة دخوله الحزب ايام العمل السري في فترة التاسيس وكيف ان القوميين ظنوا انه هو الزعيم لشدة التشابه بينه وبين سعاده ،وكذلك عن فترة رئاسته للحزب سنة 1959 و60 .

وكان الامين لبيب ابن منطقة المصيطبة في بيروت يروي لنا الكثير من ذكرياته خاصة وان بيت الأب برباري ، الكاهن الذي عرّف الزعيم في ليلة 8 تموز كان بجوار بيتهم .. لقد خسر لبيب وظيفته في البنك برغم ان الادارة كانت تحبه وتحترم اخلاقه وسلوكه المهني ولكن لما صدر الحكم عليه بسنتين سجناً اضطرت الى ابلاغ نسخة منه الى الادارة الرئيسية في روما فاتخذت قراراً بانهاء خدماته .

ثم انه لما خرج بالعفو بعد اربعة اشهر عرضوا عليه ان يعود نظرا لثقتهم بامانته وعلمه غير ان رئيس الحزب صادره وسلمه مكتب الطلبة ، وفيما بعد عرضت عليه الادارة العالمية للبنك في ايطاليا ان بسافر الى ليبيا ليؤسس فرعاً لهم هناك فصادره الحزب ايضاً وضاعت منه آخر فرص العمر .

حصل الشيء نفسه مع الرفيق سهيل عبد الملك الذي كان كبير موظفي المحاسبة والصندوق في شركة عبد الرحيم دياب وهي احدى اكبر الشركات في لبنان ، فرفضت الادارة فصله برغم ضغوط المخابرات ،

ويروى ان صاحب الشركة قال للضباط الذين يضغطون عليه :” جيبولي شخص بامانة سهيل وانا مستعد ان اطرده “واضاف : صرلو ماسك الحسابات 20 سنة لم يحصل خطأ ولم ينقص الصندوق ليرة واحدة فاين نجد مثله ؟”. وبالفعل فانه لما خرج من السجن بالعفو العام عاد الى عمله وحفظوا له معاشاته عن فترة السجن .

كذلك كان اخي جان نادر موظفا في جريدة النهار وحفظوا له مكانه ، وقد اعطاني تلك الوظيفة لأنني خرجت قبل رفقائي ببضعة اسابيع نظرا الى انني في فترة التوقيف قضيت مدة اكثر منهم فحسبت لي من مدة الحكم التي خُفضت الى اربعة شهور لصغر سني ولأنني كنت بعمر 17 سنة عندما تم توقيفنا لأول مرة .

بهيج ابو غانم كان في السنة النهائية في كلية العلوم السياسية والاقتصاد وكان عنده امتحان في تشرين الثاني ونحن في السجن ، سمحوا له بالذهاب الى الكلية ولكن تحت حراسة الدرك وقدم الامتحان وفاز بتفوق .

جميل عساف كان صاحب مدرسة خاصة تقع قرب الكلية العاملية في رأس النبع وقريبة من شارع بشارة الخوري عاد بعد العفو الى مدرسته .

انطون حتي كان طالباً في كلية الطب الفرنسية الواقعة قرب المتحف الوطني واصل الدرس في السجن ولما خرج تابع الدراسة ونجح وصار طبيباً ثم نائبا عن الحزب في قضاء عاليه .

كان مكاني بينه وبين غانم خنيصر وياما كنا نضحك مع بعضنا واشهد انهما علماني الكثير في اللغة الانكليزية حتى بدا السجن مدرسة لنا جميعاً وبعدما خرجت وعملت في جريدة النهار تسجلت في معهد للغات يقع بقرب الجامعة الامريكية وامتلكت معرفة بهذه اللغة الى جانب الفرنسية واللغة العربية التي اتقنتها جدا في سنوات الدراسة وهي التي تساعدني وتتفاعل معي بكل رضى وسهولة في اعمالي الكتابية وعلى المنابر دون ان احتاج الى ورقة او خطاب مكتوب .

اما نقولا نصر فقد تابع دراسة الحقوق وتخرج ثم حمل درجة الدكتوراه وصار في ما بعد مديراً في وزارة النفط والمعادن .

واما الرفيق محمد السعدي الذي كان بيته مركزا لعمل الحلقات الاذاعية في عين الرمانة فقد امضى فترة السجن وعاد الى عمله اليدوي وربى عائلته الكبيرة بعدد افرادها ثم انتقل الى بلدته سرحمول في الغرب وقد توفي قبل بضع سنوات من اليوم .

هكذا امضينا فترة السجن ولم تكسر رؤوسنا بل حولناها الى فترة علم ومدرسة ثقافة وخرجنا مرفوعي الراس وعدنا الى اعمالنا العادية والى نضالنا وما زلنا فيه الى اليوم .
الى اللقاء في الحلقة التالية .

A few Memories of Lebanon in 1967-68

ذكريات الجمر والرماد – 2
في هذه الحلقة نحن نتكلم عن نهاية سنة 1967 وبداية وربيع 1968 .

في تشرين من كل عام كنا ننزل الى وسط المدينة في بيروت نفترش الارصفة امام بناية اللعازارية وشارع المعرض ، لنبيع كتبنا ونشتري كتبا مستعملة للسنة الجديدة …

لم تكن وزارة التربية تقوم بتغيير الكتب بل يبقى الكتاب مستمرا من جيل الى جيل ،

ولم تكن مدارس المعارف الرسمية تلزمنا بان نشتري كتباً غالية مستوردة من فرنسا او بريطانيا او امريكا . كانت تلك الارصفة والساحات تتسع لطلاب يأتون من كل لبنان تدفعهم احوالهم الاقتصادية ومحدودية حالهم المالية الى البحث عن توفير العلم باقل تكلفة ،

ولم يكن احد منا يسأل الآخر ما هو دينه او طائفته . وكانت كلفة السنة الدراسية ب 35 ليرة لبنانية فقط لا غير ، وفي الجامعة 75 ليرة ، وقد تعلمنا كثيرا ونجحنا وحملنا ثقافة واسعة ولغات ،

وتخرج اناس صاروا اساتذة رائعين في كل الاختصاصات واطباء ومهندسين ومحامين وابلوا بلاءاً حسنا في كل نواحي الحياة .

اتذكر الكتب المستعملة وكم كانت جميلة برغم مرورها على ايدٍ عديدة قبل وصولها الينا ، واشعر انها اجمل من الكتاب الجديد ، فهناك على اوراق الكتب رسومات واسماء تضفي عليها غنىً روحيا …

احيانا تكون اسماء الذين درسوا فيها قبلنا مكتوبة على الغلاف ، وتكون الصفحات مليئة بالملاحظات والتدوينات التي اعطاها اليهم اساتذتهم ، كما نرى خطوطاً زرقاء وحمراء تحت المقاطع المهمة وكل هذا يزيد من غني الكتاب بالمعلومات المفيدة . ولا تخلو بعض الكتب من طرافة عندما ترى تلميذا عاشقاً قد رسم قلباً يخترقه سهم الحب وكتب الاحرف الاولى من اسم حبيبته .

في تلك السنين كنا ناشطين في التظاهرات والحملات المطلبية من اجل المحرومين والفقراء وتحقيق العدالة الاجتماعية وردم الهوة الفاصلة بين طبقات الاثرياء والبورجوازيين والطبقات الشعبية التي تعيش على خط الفقر او تحته .

وكنا نهتف ضد الرسمالية المتوحشة وضد النهب والسرقة للمال العام وضد السياسات الفاسدة والعمالة للخارج ، وننادي بالثوة والتغيير نحو نظام مدني لا طائفي وانصاف العمال والفلاحين والمقهورين وما الى ذلك من شعارات الثورات في العالم . وكانت صور غيفارا ونجمة الثوار تنتشر في كل المدن والجامعات .

كان عدد الجامعات في لبنان اربعة فقط هي : اليسوعية والامريكية والعربية والجامعة اللبنانية وياما تظاهرنا واضربنا من اجل تطوير هذه الجامعة لتستوعب الطلاب الذين لا يستطيعون تحمل اقساط الجامعات الخاصة ، ولإنشاء كلياتٍ للطب والهندسة والعلوم التطبيقية ،

إذ كانت الجامعة تقتصر على كليات الاداب والعلوم والحقوق والاقتصاد والسياسة ، اضافة الى كلية التربية التي خرجت الوفا من اساتذة التعليم الثانوي في مختلف الاختصاصات .ولم يكن للجامعة فروع في المناطق بل انه على الطلاب ان ينزلوا الى بيروت ويسكنوا في ظروف محدودة اليُسر ليتعلموا .

اشعر انه لم يتغير شيءٌ كثير في هذا البلد سوى بعض المظاهر وان التاريخ يتكرر باسماء واشكال اخرى .

على صعيد نشاطنا الحزبي كنا لا نزال تحت المراقبة والضغط ، وليس لدينا مراكز ومكاتب ، بل هناك نقاط اتصالٍ وارتباط ، تتوزع في بيروت وبعض المناطق.

ففي الحمراء كن الامين داوود باز في مقهى “ النيغريسكو ” مسؤولا عن الصندوق ، وفي وسط المدينة كان الرفيق فارس زويهد في مقهى ” لاروندا ” قرب السيتي سنتر والسينما البيضاوية التي ما زالت موجودة الى اليوم ، وعلى نهر الموت الدورة كان الرفيقان غطاس الغريب وجورج سمعان قد افتتحا مقهى يقع بين شركة المرسيدس ومعمل البيرة وسموه ” لادونا ” ، وكان توفيق ميلان في الجديدة وحليم عودة في كافتيريا الجامعة الامريكية .

نقاط الارتباط هذه كانت تصلنا بالقيادة الموقتة التي لا نعرف اسماء اعضائها ، وكان العمل يتم بأن نأتي الى المقهى ونتناول فنجان قهوة او ما شابه ذلك وعندما ندفع الحساب على الصندوق يمرر لنا الرفيق ورقة صغيرة مع الفراطة اي الفكة فندسُّها في جيبنا ثم نطّلع على ما فيها من تعليمات للتنفيذ بعدما نصبح بعيدين وفي مكان آمن .

وبالطبع يتم التنفيذ دون تذمر او تردد ولا مجادلات عقيمة ، لأن الذين قبلوا ان يعملوا في تلك الظروف القاسية هم من نوعية عالية الايمان والتنظيم ولا مكان عندهم للعب او المشاحنات .

كان كل شيء منظماً بدقة وقد علمت لاحقاً ان الرفيق الامين جوزيف رزقالله كان المحرك الرئيسي لهذا النظام الدقيق وياما جرى اعتقاله وتعذيبه وهو لا يبوح ولا ينهزم الى ان توفي في احد السجون بسبب سوء المعاملة واهماله من الناحية الطبية ما عرضه لنوبة قلبية قاتلة .

وفيما بعد علمتُ ايضاً بأن الامين عبدالله محسن قد اصبح مفوضا عاما للتنظيم في لبنان ومعه الامين لبيب ناصيف وهنري حاماتي وغسان عز الدين وزكريا لبابيدي ورفقاء آخرون كانوا ابطالاً في حمل مسؤوليات النضال الصعب وابدوا شجاعةً وايماناً عز نظيره في تلك الظروف .

في الحلقة القادمة نحكي عن محاكمتنا وعودتنا الى سجن الرمل سنة 1968 . فالى اللقاء .

How come the most cultured Syrian Nation failed to stop the successive occupation forces?

Note: The Syrian Nation or Levant (current Syria, Lebanon, Palestine, Jordan and the western part of the Euphrates River) are homogeneous people with same language, traditions, customs and high level of education and culture. Most warrior empires , since antiquity, managed to occupy the Levant and transferred its talented people to their countries in order to build a civilization they badly needed.

The flourishing dozen of City-States along the Mediterranean Sea and the major rivers were targeted for looting and trading with them. But all these City-States were autonomous and barely constituted a central power to oppose any invading warrior army. In most cases, these City-States became the most valued cities, after the Capital of the invader.

Damascus became the Capital of the Omayyad dynasty.

Aleppo was the second most important city to the Ottoman Empire.

Beirut was the legislating center for the Roman Empire

Tyr was the administrative center for most of Palestine during the Greek/Seleucid Empire

Byblos was the main trading port for Egypt

The Babylonians, Egyptians, Assyrians, Persia, Greek, Rome, Byzantium, Arab, Crusaders, Mogul, Mameluke, Ottoman and French mandated power, as well as mandated England.

The geography (topography) of the land played a major part for easy invasion of well armed invaders:  Once the mountain ranges on the borders are crossed, there are but plains and open land.

The urban centers didn’t manage to conglomerate into a central State, among a spread and range of various religious sects and minorities, due to successive invasions and settlement of the occupiers with their own customs and culture and language and religious beliefs.

The guerrilla warfare being a modern concept.

Saida withstood 13 years of siege by the Assyrians and won.

Tyr withstood 6 months of Alexander siege and was defeated when the surrounding city-states supplied Alexander with a maritime fleet.

Kamal Nader wants to focus on the recent history, since the Mogul till now, and find out , “scientifically and with facts”, why this Nation failed miserably in opposing occupiers?

Actually, Syria confronted the French mandated power, and the French institutions were taught to hate the Syrian people for their opposition. France gave away to Turkey Syrian lands as vast as current Syria State.

England was confronted by the Palestinians and between 1935-38, the Palestinian waged a civil disobedience (Intifada) movement that forced England to dispatch 100,000 troops to quell the insurrection. Nazi Germany learned the torture techniques adopted by the British on the Palestinians.

Currently, the Lebanese resistance movement forced Israel to retreat from Beirut into the south. And the newly founded Hezbollah forced Israel to withdraw in 2000 from South Lebanon without any pre-conditions. In 2006, Israel was Not even able to enter more than 4 km within Lebanon and had to beg USA to agree on a cease fire, after 33 days of fighting.

Hezbollah and the Lebanese army chased out the Islamic terrorist factions of Daesh and Al Nusra from Lebanon eastern mountain chains.

Currently, The Syrian people and its army managed to defeat ISIS and most terrorist factions, and regained most of its territory. This international war on Syria was checked and the re-conquest is moving ahead.

عندما اقرأ تاريخ بلادنا وارى المجازر وحروب الابادة التي تعرض لها شعب هذه البلاد الحضارية الكريمة ، ازداد اقتناعاً واصراراً على تحقيق نهضتها وبناء قوتها في كل المجالات السياسية والاقتصادية العسكرية والثقافية والاجتماعية ، لأن ذلك يكون الامان والحصن لوجودها ولتقدمها وارتفاع مستوى حياتها .
وفي هذه الفترة من الحروب ومن تذكارات المجازر ارى اننا امام اسئلة مصيرية جديرة بالبحث الجدي والعلمي بناء على منهج بحثي رصين وجاد ، وليس من نوع المقال العاطفي السريع الأثر والسريع الزوال .
هنا اطرح عدداً من الاسئلة :
1. لماذا سقطت بلادنا امام الفتوحات والغزوات منذ المغول الى العثمانيين والى اليوم ؟
2. ما هي الصلة بين العثمانيين والمغول ؟
3 . اذا كنا قد فوجئنا بالغزوة الاولى المغولية سنة 1258 فلماذا لم نستعد لما جاء بعدها من غزوتين مدمرتين ، ولماذا استطاع المماليك هزم المغول في عين جالوت بينما الامة السورية لم تشكل اي مقاومة في وجه المغول ؟
4. لماذا جاء الصليبيون الى بلادنا ودخلوها بسهولة قبل المغول ؟
5.عندما قام والي مصر محمد علي باشا بالانفصال عن السلطنة العثمانية ودعمته فرنسا بالسلاح الحديث وارسل حملةً بقيادة ابنه ابراهيم باشا الى بلادنا فهزمت العثمانيين وطردتهم من سنة 1829 الى سنة 1840 ، كيف تصرف ابناء الامة السورية تجاه هذا الصراع ؟
6. وصلت الحملة المصرية الى تركيا وكادت تسقط الآستانة سنة 1839 بعد معركة “قونية ” حيث قتل الصدر الاعظم محمد رشيد باشا ، لماذا توقفت الحملة ولم تسقط السلطنة ؟
7.تدخلت الدول الاوروبية الكبرى ، بريطانيا وبروسيا والنمسا وروسيا واجبرت ابراهيم باشا على التراجع عن اسية الصغرى وعن سورية بعد معاهدة لندن ، واعادت احياء تركيا المريضة والمتهالكة ، فارتد الجيش العثماني علينا وانتقم منا بمجازر حصلت سنة 1840 و43 و1860 وشملت جبل لبنان ودمشق والجبال الساحلية ، فلماذا تركناهم يعملون فينا سيوفهم ولم نقاومهم ؟
8.قتلت تركيا اكثر من 3 ملايين سوري بين ارمني وسرياني واشوري وارثوذكسي ، فلماذا لم يقاوم هؤلاء ؟ ولو ان عشرة بالمئة منهم شكلوا مقاومة لما كانت المجازر تحصد هذا العدد الكبير والمذهل .كما ان اهل جبل لبنان لم يسلموا من الابادة بطريقة الحصار والمجاعة على يد جمال باشا السفاح والسفر برلك خلال الحرب العالمية الاولى .
9. لماذا لم تتدخل روسيا وارمينيا وفرنسا لوقف هذه المجازر ؟
10. اين هم ابناء هذه الامة احفاد ضحايا المجازر من حركة النهضة والمقاومة ولماذا تقتصر المقاومة على شرائح معينة بينما الآخرون يهاجرون او يتفرجون ؟
11. الغزوة الاسرائيلية الاطلسية كررت فصول المجازر والقتل اليومي وها هم العرب يدعمونها بينما ايران الفارسية الاسلامية تدعم المقاومة في لبنان وسورية عموماً والارض المحتلة فما هوسبب الفارق بين الموقف العربي والموقف الايراني والروسي ؟

اعود الى القول اننا بحاجة الى مؤتمر لدرس هذا التاريخ بمنهج علمي وبناء على المعرفة والوقائع وليس على العواطف قهل من يسعى الى تنظيم هكذا عمل كبير وعلمي ومهم ؟

ملاحظة : الرجاء من الاصدقاء على الصفحات ان يلتزموا المنهج العلمي والتأريخي في الردود والتعليقات .

A trip to Mount Hermon (Jabal Sheikh)

الطريق الى جبل الشيخ مرسومٌ بالوان الربيع وجبال الثلج … نمر في عاليه وبعلشميه وبحمدون وصوفر ثم نعبر ممرات المديرج وضهر البيدر لنطل على سهل البقاع والسلسلة الشرقية من جبال لبنان ، فتظهر علينا قمم متواصلة مكللة بالثلوج وفي نهايتها عند حدود السماء يتربع جبل الشيخ بكل مهابته ووقاره ملتفاً بثوبه الابيض الذي لا يضاهيه سوى وصف ثياب السيد المسيح عندما تجلّى على هذا الجبل امام تلاميذه كما يروي الانجيل .
نمرُّ قرب بوارج ونرمي التحية الى الذين كانوا هنا وقاتلوا سنوات طويلة في مواجهة الاخطار ، وقبل ان نصل الى المريجات نأخذ استراحةً وفنجان قهوة عند صديقي نادر ، ثم نتابع ونعبر في جديتا ومكسة وذكريات لنا هنا لنصل بعدها الى قب الياس وتتوالى الصور الطبيعية الرائعة خصوصاً عندما نمر بمحاذاة ” مستنقعات عمّيق “وهي محمية طبيعية يؤمّها خبراء البيئة وعلماء الحياة البرية لما فيها من نباتات خاصة وطيور مهاجرة تأتي اليها في فترة معينة من كل سنة . بعدها تبدأ كروم العنب وفيها تصطف شجرات الكرمة صفوفاً بديعة الترتيب وعلى كل واحد منها اسم القصر او الكهف الذي يصنع منها الخمر والنبيذ غير المحرّم.
على يميننا تشير علامات الطرق الى مزار ” الست شعوانة ” و”دير طحنيش” وعلى اليسار قرية تل دنوب والمنصورة ولنا فيها رفاق واحبة واصدقاء مر زمنٌ طويلٌ ولم نلتقيهم .
بعد ذلك نمر في ” عانا ” ومن اسمها تعرفون انها قرية قديمة آرامية يقع اسمها ما بين لفظة ” قانا ” ولفظة ” عنّايا ” ولها قرية شقيقة تحمل الاسم نفسه في فلسطين لعلها قرية ” اليعازر” الصديق .هنا تخبرنا الصنوبرات الجميلة عن ايام المخيمات الصيفية وكم مر فيها وتحت ظلالها من اشبال وزهرات تربوا على النظام والمبادئ ثم خرجوا الى الحياة وسافروا الى كل العالم .
في كفريا تتلاقى الطرق الذاهبة الى الشوف او صغبين والبحيرة ومشغرة وتلك الذاهبة الى “جب جنّين ” … ولا يطول بنا الوقت حتى نطلَ على سد القرعون وننحرف منه الى سحمر القلعة الصامدة ، ونعبر من ” وادي مشق” نحو مجدل بلهيص التي حكيت لكم عنها عدة مرات وكنا فيها في مثل هذه الايام من سنة 2014 .. يومها كتبت انني عندما غادرتها كنت افكر فيما اذا كنت ساعود الى هذه المنطقة يوما ما وها قد عدت …
في كفرمشكي ينتظرنا الامين ابو علي جرجي ، وممنوع علينا ان نمر دون ان نزوره ونتغدى عنده فهذا البيت هو بيتنا ولنا فيه ذكريات من ايام النضال الطويلة . في بلادنا بيوت لا تغلق ابوابها ولا تنام الا على هم الوطن وفرح النضال ، ونسال عن الجميع اين هم وما اخبارهم ، اين سناء وهلا ونجاح ومخايل والناس الطيبين ، الذين كنا نلتقيهم وقد اخذتهم الغربة الى القارات البعيدة .
لا يطول بنا المقام فنغادر سويةً الى راشيا ونمر في ” بيت لهيا ” ” وبكيفا ” وهي قرى احتضنت النهضة القومية الاجتماعية منذ بزوغها ، وما زالت . ثم نبدأ الصعود على سفوح جبل الشيخ نحو بلدة ” عين عطا ” وهناك كان القوميون رجالا ونساءا وزهرات ونسورا يعملون بحركة منظمة في وضع اللمسات الاخيرة قبل بدء الاحتفال بذكرى الاول من آذار .

وقد لفتتني اناقة الالوان عند المنظمين عدا بدلات النسور .. ووجدتُ جيلاً جديدا من صبايا وشباب ينتظمون في الحزب القومي خارح الاصطفافات الطائفية والتقليدية .هناك التقينا اناساً جمعتنا بهم النهضة القومية الاجتماعية وكنت قد زرتهم منذ عشرين سنة ، ولا ادري هل اعود بعد عشرين سنة اخرى ؟؟ لكن الاكيد ان هذه النهضة باقية ما بقي الوطن والأمة وان اجيالها تتعاقب ونحن لسنا الا جيلا منها نعبر بعد ان نؤدّي واجبنا تجاه بلادنا وشعبنا الذي يتوق الى الحياة الراقية والآمنة في وطنه الجميل والغني .

في برنامج الاحتفال تم عرض فيلم قصير عن حياة الزعيم سعاده من ولادته الى استشهاده والقت صبية جميلة من المديرية كلمة عن المناسبة … ثم قدمتُ عرضاً شاملاً لمشروع الحزب الذي اعطيناه الى امتنا لبناء حياة جديدة تضع حدا للغزوات والحروب وللفقر وللفوضى وللموت والخراب الذي يجتاحنا منذ قرون فيقتل ويدمر ويهجّر ويحولنا الى نازحين ويائسين وهاربين ومشرّدين في كل نواحي الارض .

بعد انتهاء الاحتفال ودّعنا الحاضرين وغادرنا ” عين عطا ” والسيارة تنحدر على الطرقات الصعبة والضيقة وكنت اتساءل ما الذي جاء بالناس الى هذا الجبل قبل قرون طويلة ليعيشوا هنا مع الثلج والجبل القاسي والقاحل ينحتون الصخر ليزرعوا ويبنوا بيوتاً صغيرة يوم لم تكن هناك سيارات وطرقات ولا كهرباء ولا شبكات مياه ولا اي شيء من تسهيلات الحياة المدنية الحديثة . إنهُ الاضطهاد والخطر الذي عانت منه بلادنا قروناً طويلة في زمن الحروب الدينية الرهيبة .
ترى متى ستنتهي هذه الحروب والمجازر والمخاوف والهواجس وننعم بوطن يليق بالحياة لشعب يرفض ان يموت او ان يرضى القبر مكاناً له تحت الشمس


adonis49

adonis49

adonis49

January 2021
M T W T F S S
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031

Blog Stats

  • 1,459,170 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.adonisbouh@gmail.com

Join 800 other followers

%d bloggers like this: