What is meant by Reforms in Lebanon? Without any census records since 1932?
Posted on: April 12, 2025
What kinds of reforms when sectarianism is the political system?
By Badr Haj
الإصلاح والسجّانون
جرت العادة مع كل حكم جديد في لبنان أن يطرح الحكام شعار الإصلاح. ونظراً إلى تجربة اللبنانيين المُرة والمليئة بالخيبات من شعارات الإصلاح، فإن أحداً لا يكترث بعد اليوم بالأقاويل الإصلاحية.
مسؤول أساسي في السلطة يقول إنه مع إلغاء الطائفية السياسية، ولكنه ما إن جلس على الكرسي، التي كانت منتهى أمانيه وأحلامه منذ طفولته، حتى بادر فوراً في أول خطوة «علمانية» إلى زيارة بشارة الراعي واستقى منه زبدة الأفكار العلمانية والإصلاح الواجب القيام به. ولا أعتقد أنه تجاسر وسأله عن سبب دفاعه المستميت عن النموذج الأبهى للإصلاح في النظام اللبناني رياض سلامة.
ومن بكركي انتقل للقاء المفتي، وغني عن القول أنه تزود أيضاً منه بآخر نظريات الإصلاح.
وفي مناسبة الزيارات إلى منارات الإصلاح والعلمانية في لبنان، لم يتسع لحضرته الوقت لمواصلة زياراته إلى من تبقى من زعماء الطوائف كي «يكتمل النقل بالزعرور». ويبدو أنه لا سبب لذلك سوى أنه – كما يُعرف عنه – يمقت بعض الطوائف.
ومن تباشير الإصلاح الموعود إقصاء جميع الموظفين الأساسيين في الدولة، إلا نادراً، وتعيين مسؤولين جدد بعد موافقة وشهادة حسن سلوك من عوكر، ولكن مع مراعاة «المحاصصة الطائفية» لأنها أساس الوجود.
وأنا هنا لا أدافع إطلاقاً عن الموظفين السابقين، لربما هم ضحايا فسادهم وكثيرون منهم فاسدون إلا قلة! ولكن الأهم أن عدم موافقة عوكر على بقائهم في مناصبهم هو الأساس في قرارات إعفائهم.
وكما هو مؤكد حتى الآن، فإن موضوع الإصلاح هو قميص عثمان. المطلوب والملح وحتى يكون الإصلاح سهلاً هو موضوع جوهري آخر، ملخصه تسديد فاتورة لمن وضعهم في كراسي السلطة.
إنهم أمام خيارين: الأول، التسليم للعدو بحرية احتلال الأرض والقتل والتدمير اليومي لممتلكات اللبنانيين. أمّا الخيار الثاني، فمعاهدة استسلام من دون قيد أو شرط. ستيف ويتكوف ومورغان أورتاغوس يصرّان على هذا الأمر.
لذلك، وفوراً، سارع نواب ووزراء ومسؤولون بالمجاهرة به أيضاً، وكانت أصواتهم بمنزلة الصدى ليس لرأي ويتكوف وأورتاغوس والإدارة الأميركية فقط، إنما في الواقع لتمنيات نتنياهو أيضاً.
بالعودة إلى شعار الإصلاح، يتبادر إلى الذهن أولاً السؤال التالي: كيف يمكن لأي بلد في العالم أن يقبل بعدم إجراء إحصاء سكاني لمواطنيه، كي يتم على أساسه وضع مخطط إصلاحي شامل، ويدّعي قادته أنهم يريدون الإصلاح؟ الجواب الذي لا يريد أحد ذكره أو التحدّث عنه، هو أن إجراء الاستفتاء وظهور نتائجه التي يعرفها سلفاً كل لبناني ستؤدي إلى انهيار الصيغة الحالية للنظام.
توقف الزمن في لبنان الرسمي عام 1932، ففي ذلك العام جرى آخر إحصاء سكاني وأسدل الستار على الموضوع منذ ذلك الحين. لكن إلى متى الهروب من الواقع؟
وهل حقاً تستطيع النعامة وضع رأسها في الرمال إلى الأبد؟ أي إحصاء، وهو من البديهيات، يعني كما ذكرت انهيار التركيبة المذهبية القائمة منذ مئة عام ونيف. في كل مرة تهتز أركان النظام يلجؤون إلى الخارج لإنقاذه.
لن نرجع في التاريخ كثيراً إلى الوراء: في عام 1958 كان حكم شمعون يتهاوى فوصلت قوات المارينز وعينوا فؤاد شهاب رئيساً بموافقة من عبد الناصر. وفي عام 1982، تدخّل الصهاينة واحتلوا بيروت مع القوات المتعددة الجنسيات، وتم تركيب سلطة من قبل الأميركيين والصهاينة ومن عرب أميركا طبيعياً… ومع ذلك انهارت. واليوم تدخّل الصهاينة مجدداً وعادت نغمة الإصلاح والتغيير يضاف إليهما الاستسلام.
في الثلاثينيات، قامت حملة لإعطاء الجنسية اللبنانية لمهاجرين لبنانيين أكثرهم لا يعرف عن لبنان إلا صحن التبولة الذي كانت تحضره جدته، وفشلت الحملة.
اليوم، وبمجرد ذكر موضوع الإحصاء تنتفض بعض الزعامات السياسية والدينية، وترفع شعاراً: المهم النوعية وليس الكمية، أو الادعاء العنصري المقيت أن بعض اللبنانيين من طوائف معينة والذين يتفوقون عددياً على غيرهم من ذوي الانتماءات المذهبية هم بصراحة «لا يشبهوننا».
تقرأ في الصحافة المحلية أخباراً تثير العجب والاستفزاز ولا من يحاسب. على سبيل المثال، رئيس بلدية ينتفض لكرامته ويعلن على الملأ أنه لن يقبل أن يتملك مواطن من طائفة محددة داخل نفوذ بلديّته!
هذا نموذج من النقاء المذهبي في النظام العنصري. وفد من قرية في المتن زار بكركي وطالب بتدخّلها، لمنع مواطن من مذهب «يلوّث» وجودُه النقاءَ المذهبي لبلدتهم، من شراء عقار في أملاك القرية والنتيجة انتصر أعضاء الوفد. لذلك أعتقد أنه بعد سقوط النظام العنصري في جنوب إفريقيا لم يتبقَ على الكرة الأرضية نظام يتباهى بعنصريّته إلا النظام اللبناني.
من المؤكد أنه لا يمكن إجراء إصلاح في بلد أساس وجوده طائفي، فالإصلاح الجذري مرتبط بقانون انتخابي يتساوى فيه اللبنانيون، ولكن مثل هذا القانون من المحظورات أيضاً، كما الأمر بالنسبة إلى الإحصاء. مجرد طرح هكذا قانون يهز أسس النظام الطائفية، فتنطلق حملات مذهبية المضمون. فالهيمنة توجب قانوناً انتخابياً مماثلاً لقانون غازي كنعان الذي وضعه وفقاً لرغبات مموليه.
هذا النظام، كما هو عليه، في ورطة. لذلك تدور القوى السياسية المذهبية في حلقة مفرغة. أحاديث يومية عن السيادة، واستعادة الدولة، والإصلاح. وفي الواقع كل ذلك لن يتحقق في ظل تقاسم طائفي مقيت.
المحاصصة الطائفية التي تجري اليوم متوقعة وليست أمراً مستغرباً. التناطح الذي جرى في عملية تعيين حاكم للمصرف المركزي كان متوقعاً، وسيتكرر في كل التعيينات القادمة. ليس هذا بجديد على اللبنانيين، لأنه نتيجة حتمية لهذا النظام الطائفي رغم أن المتناطحين مرجعهم في الخارج واحد.
غاب في خضم التنافس لتعيين حاكم للمصرف المركزي الموضوع الأساسي وهو كيف ستستعاد الأموال المنهوبة من قبل المصارف؟ هل جرى التعيين بناء على خطة واضحة اطلع عليها مجلس النواب وأعلنت للملأ وجرت الموافقة عليها؟ هذا لم يحدث، وسواء تولى المنصب فلان أو علتان فإن المصارف على ما يبدو حتى الآن خارج المحاسبة.
وهذا متوقع، ومن يتمنى العكس يكون حالماً أو يعيش في كوكب آخر. إذاً، أولى خطوات «الإصلاح» المزعوم فضائحية، لذلك «خيّطوا بغير هذه المسلة»، فـ«الشمس ساطعة والناس قاشعة» كما يقول المأثور الشعبي.
من المتوقع أن يُعتمد نهج الانتقام والكيد في التعيينات القادمة. صحيح أن التعيينات الأساسية تتم بختم أميركي، إلا أن للكيد المحلي دوراً مهماً أيضاً. وإذا أبقينا موضوع الاستفتاء في الثلاجة كما هو الحال منذ سنة 1932، ندرك بوضوح أن جماعة المصارف الذين سرقوا المواطنين لهم الحصة الكبرى في حكومة «الإصلاح»، وكذلك أقارب المسؤولين الجدد وجيرانهم، وقس على ذلك.
والأسوأ من التلطي بشعار الإصلاح أن في لبنان مناطق محتلة ومنسية، وعدواً يقتل اللبنانيين يومياً ويمنعهم من العودة إلى قراهم، ويدمّر منازلهم، والطائرات الحربية والمسيّرات تتجول يومياً في أجوائنا وتقصف العاصمة، بينما الصراع محتدم في أوساط الفريق الحاكم على المناصب الرئيسية في الحكم. الأولوية هي من يسيطر على المناصب، لا إصلاح ولا مصلحين، إنها الدوامة التي يغرق فيها اللبنانيون.
منذ اليوم وقبله أصبح واضحاً أن أموال الناس التي نُهبت لن تعود، فالذي نهب يحظى بالتغطية الرسمية، ويواصل التحكم في السياسة المالية عبر وجوده في السلطة بأسماء جديدة. هذه السلطة تدعي الإصلاح كالعادة لتخدير الناس. معظم اللصوص معروفون من اللبنانيين، ويحظر المس بهم لأنهم في الأساس من جماعة الأميركان، ورياض سلامة هو وجه السحارة.
رياض المذكور أغدق عليه الأميركيون أكثر الأوصاف تبجيلاً، منها أنه أهم حاكم مصرف مركزي في التاريخ، كما أعلنوا أنه كان ينفذ كل ما يطلبون منه (يا سلام على الصراحة)، وكرمته السلطة بطابع بريدي كي لا ينسى وجهه الصبوح الشعب اللبناني العنيد. معظمهم نسخة طبق الأصل عن رياض سلامة الذي يقبع اليوم في سجن، ولكنه في الواقع في فندق من خمس نجوم. لم يحكم عليه حتى الآن،
والمتوقع إذا حكم عليه، وهذا مستبعد جداً، فسوف يكون الحكم شبيهاً بحكم على رجل صفع رجلاً آخر في لحظة غضب. لن تخدعنا شعارات الإصلاح فهي كفقاقيع الصابون.
إمكانية إنقاذ اللبنانيين من القتل الصهيوني واستعادة أموالهم وبناء دولة عادلة تعتبر مواطنيها سواسية لا تزال للأسف سراباً. أختم بفقرة تصف حالتنا من خطاب أنطون سعاده يوم عودته إلى الوطن في 2 آذار 1947:
«خرجت الأمة من الحبوس في داخل البناية التي أعدّها لها الاستعمار، ولكنها حتى الآن لا تزال ضمن السور الكبير الذي يحيط ببنايات السجن. نحن الآن خارج القواويش ولكننا لا نزال ضمن السور. الأبواب مفتوحة، التي إلى الداخل، أما التي إلى الخارج، فلا يزال عليها السجانون وهم دائماً منا في الغالب».
* كاتب لبناني

Leave a comment