Adonis Diaries

Layla: More than the conscious of Grenada of Andalousia. She is the chronicle of the destruction of a civilization

Posted on: June 1, 2025

By Weam Adel

في زمنٍ كانت فيه غرناطة تتلألأ كحجر كريم في تاج الأندلس، حيث تجتمع في الطرقات رائحة المسك برائحة الحبر، وُلدت ليلى.

كانت ابنة القاضي الطبيب عبد الحق بن نعيم، رجلٍ لا تُذكر اسمه إلا وتتبعه صفات الحكمة والعدل.

نشأت في بيتٍ تحفه المخطوطات من كل صوب، وتضج جدرانه بأصوات العلماء، وتُضاء أركانه بمصابيح الفكر لا الذهب.

لم تكن ليلى بنتًا كسائر بنات غرناطة، بل كانت نادرة الوجود، تحفظ الشعر كأنها عاشته، وتفهم الفقه كأنها وُلدت به، وتداوي المرضى كما لو أن الرحمة تسكن أصابعها.

أحب والدها أن يراها تقرأ، وأن يناقشها في الطب والفلسفة والمنطق. وكان يقول لها: “يا ليلى، إن العلم عِصمة، وإن العقل زينة، وإنكِ لولا الأنثى لقلتِ إنك رجل بعقل عشرة.” فتضحك هي وتجيبه: “بل أنا أنثى بعقل مئة، يا أبتِ، وستعلم غرناطة يومًا أني كذلك.”

ولم تكن غرناطة – برغم ألقها – مدينة عادلة لمن أرادت أن تكون مختلفة. كان فيها من الجهل المُقنَّع بالنُبل، ومن الحسد المُتدثِّر بالغيرة، ما يكفي لقتل روح متوهجة مثل روح ليلى.

وفي ليلةٍ من ليالي الخريف، عاد خادم القصر مهرولاً إلى دارهم، يصيح: “سيدي لم يعد من المجلس! اختفى، ولا يعرف أحد أين ذهب!”

انقلبت الدار، وساد الصمت بعد الهلع، وجفّت العيون من البكاء حين لم يجد البحث سبيلًا. بقيت ليلى وحدها، وسط الكتب والظنون، تبحث لا عن أبيها فقط، بل عن معنى الغياب.

وجدت بين أوراقه رقعة مطوية، خُطّت بخطه الأنيق:

“من يفضح السر، يُدفن في الصمت. غرناطة تُباع من داخلها، والخائنون يُلبسون عباءة الصدق.”

فهمت الرسالة، وعرفت أن أباها لم يختفِ، بل أُسكت. وأن القصر ليس كما يبدو، وأن خلف زخرفه مؤامرات تُدار في الظل.

ارتدت ثوب خادمتها، وتسللت إلى مجالس القضاء متنكرة، واستعارت لسانًا غير لسانها، وأذُنا لا يشك بها أحد. سمعت ما يكفي ليدمي القلب، من بيعٍ للأراضي، وتنازلات للعدو، وصفقات تُسجَّل تحت الطاولة وتُغسَل بالذهب.

كتبت، ودوَّنت، وجمعت كل ما استطاعت إليه سبيلًا من الأدلة. أعدّت مخطوطة سمّتها “خراب القصر من أهله“،

وهرّبتها إلى قرطبة مع قافلة تجار، وقد أحكمت حمايتها بين لفائف القماش.

ثم ظهرت المخطوطة في يوم جمعة، تُقرأ في أحد مساجد قرطبة، وتنتشر كما تنتشر النار في هشيم. وسأل الناس: “من كتبها؟” فقيل: “ليلى، ابنة القاضي عبد الحق.” فصعق الناس. كيف تجرأت؟ وكيف فعلتها؟

في غرناطة، كانت الأوامر قد صدرت: “من يأتِ برأسها، فله ما يشاء.” فاختفت ليلى.

قال بعضهم إنها ماتت، وقال آخرون إنها سافرت إلى فاس، وقال قلة إنها صارت راهبة متنكرة في كنيسة قديمة تحرس كتبًا عربية مخفية. لكن الحقيقة لم تكن لأحد. الحقيقة أنها كانت فكرة، والفكرة لا تُدفن.

وبقي اسمها، يُكتب سرًا على هوامش الكتب:

“ليلى… لم تكن أنثى وحسب، بل كانت ضمير الأندلس حين خفتت الأصوات.”

#بقلم_وئام_عادل

Leave a comment

adonis49

adonis49

adonis49

Blog Stats

  • 1,835,380 hits

Enter your email address to subscribe to this blog and receive notifications of new posts by email.adonisbouh@gmail.com

Join 774 other subscribers
Design a site like this with WordPress.com
Get started